تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
فقال : بشّر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي في أقفائهم يخرج من
شرح
أبو ذر ورفع العصا على كعب ، وقال : ما يدريك يا ابن اليهودية ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه . وروى أيضا من طريق سعيد بن الحسن ، عن عبد اللّه بن الصامت قال : « إن خليلي عهد إليّ أنه أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه حتى ينفقه في سبيل اللّه » .

تنبيه [ الانفاق ضربان ممدوح ومذموم ]

الانفاق ضربان ممدوح ومذموم ، والممدوح منه ما يكسب صاحبه العدالة وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله كالصدقة المفروضة والإنفاق على العيال ، وهو من ألزمته الشريعة الإنفاق عليه ، ومنه ما يكسب صاحبه الحرمة وهو بذل ما نديت الشريعة إلى بذله ، فهذا يكسب من الناس شكرا ، ومن ولي النعمة أجرا . والمذموم ضربان . إفراط وهو التبذير والإسراف ، وتفريط وهو التقتير والإمساك وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية ، فالتبذير من جهة الكمية أن يعطي أكثر مما يحتمله حاله ، ومن جهة الكيفية فبأن يضعه في غير موضعه ، والاختبار فيه بالكيفية أكثر منه بالكمية ، فربّ منفق درهما من ألوف وهو في إنفاقه مسرف وببذله مفسد ظالم ، وربّ منفق ألوفا لا يملك غيرها هو فيها مقتصد وببذلها متحمد ، كما روي في شأن الصديق رضي اللّه عنه . والتقتير من جهة الكمية أن ينفق دون ما يحتمله حاله ، ومن حيث الكيفية أن يمنع من حيث يجب ويضع حيث لا يجب ، والتبذير عند الناس أحمد لأنه جود لكنه أكثر مما يجب ، والتقتير بخل ، والجود على كل حال أحمد من البخل لأن رجوع المبذر إلى السخاء سهل ، وارتقاء البخيل إليه صعب ، ولأن المبذر قد ينفع غيره وإن أضرّ بنفسه ، والمقتر لا ينفع غيره ولا نفسه ، على أن التبذير في الحقيقة هو من وجه أقبح إذ لا إسراف إلا وبجنبه حق مضيع ، ولان التبذير يؤدي بصاحبه إلى أن يظلم غيره ، ولهذا قيل : إن الشحيح أغدر من الظالم لأنه جاهل بقدر المال الذي هو سبب استبقاء النفس ، والجهل رأس كل شر ، والمتلاف ظالم من وجهين : لأخذه من غير موضعه ، ووضعه في غير موضعه . وسيأتي إلمام لهذا البحث في كلام المصنف فليكن ذلك على ذكر منك . ( وقال الأحنف بن قيس ) بن معاوية بن حصين التميمي السعدي ، أبو بحر البصري . والأحنف لقب . واسمه الضحاك ، وقيل : صخر . قال العجلي : تابعي ثقة ، وكان أعور أحنف ذميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة . وقال ابن سعد : كان ثقة مأمونا قليل الحديث . مات سنة اثنتين وسبعين بالكوفة . روى له الجماعة وهو الذي يضرب بحلمه المثل ، وكان سيد قومه وهذا القول فيما رواه مسلم من طريقه قال : ( كنت في نفر من قريش فمرّ بنا أبو ذر ) جندب بن خباب الغفاري رضي اللّه عنه ( فقال ) ولفظ مسلم : فمر أبو ذر وهو يقول : ( بشّر الكانزين ) أي للذهب والفضة ( بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من أقفائهم ) وهو جمع القفا