إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 122
فصل [ اختلفوا في نوع من الحيوان وهو الخيل ] اختلفوا في نوع من الحيوان وهو الخيل ، فالجمهور على أنه لا زكاة في الخيل ، وقالت طائفة : إذا كانت سائمة وقصد بها النسل ففيها الزكاة أعني إذا كانت ذكرانا وإناثا . الاعتبار هذا النوع من الحيوان من جملة زينة اللّه التي أخرج لعباده ، ثم أنه من الحيوان الذي له الكر والفر فهو أنفع حيوان يجاهد عليه في سبيل اللّه ، فالأغلب فيه أنه للّه ، وما كان للّه فما فيه حق للّه لأنه كله للّه النفس مركبها البدن ، فإذا كان البدن في مزاجه وتركيب طبائعه يساعد النفس الطاهرة المؤمنة على ما تريد منه من الإقبال على اللّه تعالى ، والفرار عن مخالفة اللّه كان للّه ، وما كان للّه فلا حق فيه للّه لأنه كله للّه ، وإذا كان البدن يساعد وقتا ولا يساعد وقتا آخر لخلل فيه كان ردّ النفس بالقهر فيما لا تساعد فيه من طاعة اللّه زكاة فيه كمن يريد الصلاة ، ويجد كسلا في أعضائه وتكسرا فيتثبط عنها مع كونه يشتهيها ، فأداء الزكاة في ذلك الوقت أن يقيمها ولا يتركها مع كسلها ، ومن ذلك الوقت سائمة من الساعة اعتبار متخذة للنسل لأن فيها ذكرانا وإناثا أي خواطر عقل وخواطر نفس . تنبيه : [ في قوله صلّى اللّه عليه وسلم « في كل خمس ذود من الإبل شاة » ] وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلم « في كل خمس ذود من الإبل شاة » اعتبار آخر هو هل يطهر الشيء بنفسه أو يطهر بغيره ؟ فالأصل الصحيح أن الشيء لا يطهر إلا بنفسه ، هذا هو الحق الذي يرجع إليه ، وإن وقع الخلاف في الصورة فالمراعاة إنما هي في الأصل لما فرض اللّه الطهارة للعبادة بالماء والتراب ، وهما مخالفان في الصورة غير مخالف في الأصل ، فالأصل أنه من الماء خلق كل شيء حي وقال في آدم خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] فما أوقع الطهارة في الظاهر إلا بنفس ما خلق منه كالحيوانية الجامعة للشاء والإبل والمالية للشاء والإبل وغير ذلك ، فلولا هذا الأمر الجامع ما صحت الطهارة ، فلهذا صحّت الزكاة في بعض الأموال بغير الصنف الذي تجب فيه الزكاة ، ففي الخبر : من عرف نفسه عرف ربه ، فبمعرفته بنفسه صحت طهارته لمعرفته لربه ، فالحق هو القدوس المطلق وتقديس العبد معرفته بنفسه فما طهر إلا بنفسه فتحقق هذا . فصل [ اعتبار من اشترط السوائم في الأصناف الثلاثة ] اعتبار من اشترط السوائم في الأصناف الثلاثة ، ومن لم يشترط السائمة الأفعال المباحة كلها وغير السائمة ما عدا المباح ، فمن قال : الزكاة في السائمة قال إن المباح لما كانت الغفلة تصحبه أوجبوا فيه الزكاة ، وهو أن لا يحضر الإنسان عند فعله المباح أنه مباح بإباحة الشارع له ولو لم يبح فعله ما فعله ، فهذا القدر من النظر هو زكاته ، وأما غير السائمة فلا زكاة فيها لأنها كلها أفعال مقيدة بالوجوب أو الندب أو الحظر أو الكراهة فكلها لا تخيير على الإطلاق للعبد فيها