إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 121
فصل اعتبار زكاة الإبل : حكم الشارع على الإبل أنها شياطين ، فأوجب فيها الزكاة لتطهر بذلك من هذه النسبة إذ الزكاة مطهرة رب المال من صفة البخل الشيطنة البعد ، وسمي الشيطان لبعده من رحمة اللّه لما أبى واستكبر وكان من الكافرين ، فالأفعال والأعمال إذا لم تنسب إلى اللّه فقد أبعدت عن اللّه فوجبت الزكاة فيها وهو ما للّه فيها من الحق يرد من اللّه سبحانه ، فإذا ردت إليه اكتسبت حلة الحسن فقيل : أفعال اللّه كلها حسنة ، فالزكاة واجبة على المعتزلي من حيث اعتقاده خلق أعمال العباد لهم ، والأشعري تجب عليه الزكاة لإضافة كسبه في العمل إلى نفسه ، وكان في كل خمس ذود شاة والخمس هو عين الزكاة من الورق وهو ربع العشر ، فصار حكم العدد الذي كان زكاة يزكى أيضا كمن يرى الزكاة في الأوقاص ، فيخرج من كل أربعة دنانير درهم ، ومن أربعين درهما درهم ، وكما أخرجت من الذهب درهما في الأوقاص وليس الورق من صنف الذهب ، وكذلك الشاة تخرج في زكاة خمس من الإبل ، وليست من صنفها كذلك نأخذ حق اللّه من الجارحة بالحرق بالنار والقطع في السرقة والنفس المكلفة هي السارقة ، وليست من جنس الجارحة وتطهرت من حكم السرقة بقطع اليد ، كما تطهر الخمس من الإبل بإخراج الشاة وليست من جنس المزكى . وأما الاعتبار في زكاة الغنم فقال تعالى في نفس الإنسان قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] وقد أقام اللّه سبحانه الرأس من الغنم مقام الإنسان الكامل فهو قيمته ، فانظر ما أكمل مرتبته حيث كان الواحد منها قيمة نبي . قال تعالى : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [ الصافات : 107 ] فناب منابه وقام مقامه فوجبت الزكاة في الغنم كما أفلح من زكى نفسه . وأما الاعتبار في زكاة البقر فقال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] يعني النفس ، ولما كانت المناسبة بين البقر والإنسان قوية لذلك حيي به الميت لما ضرب ببعضها ، فأتى بالضرب لأنها صفة قهرية لما صعب على الإنسان أن يكون سبب حياته بقرة لأنها ذبحت فزالت حياتها فحيي بحياتها هذا الإنسان ، وكان قد أبى لما عرضت عليه فضرب بها فحيي عن صفة قهرية للانفة التي جبل اللّه الإنسان عليها ، وفعل اللّه ذلك ليعرفه أن الاشتراك بينه وبين الحيوان في الحيوانية محقق في الحد والحقيقة ، فوجبت الزكاة في البقر كما ظهرت في النفس ، ثم مناسبة البرزخية بين البقر والإنسان فإنها وسط بين الإبل والغنم في الحيوان المزكي ، ثم البقرة التي ظهر الإحياء بموتها والضرب بها برزخية بقوله عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] فتحقق ما أومأنا إليه في هذا الاعتبار .