شرح
العبد بها في الدار الآخرة ، وأما صدقة التطوع فعلى كل عرق فيه صدقة ، فالزكاة التي في هذه الأعضاء هو حق اللّه تعالى الذي أوجب اللّه عليه في كل صنف منها كما أوجب في هذه الثمانية المذكورة ، فتعين على المؤمن أداء حق اللّه من كل عضو ، فزكاة البصر مما يجب للّه تعالى فيه من الحق كالغض عن المحرمات والنظر إلى ما يؤدي النظر إليه من القربة عند اللّه كالنظر إلى المصحف وإلى وجه من يسر بنظرك إليه من أهل وولد وكالنظر إلى الكعبة ، وعلى هذا المثال تنظر بقية أصناف الأعضاء بتصريفها فيما ينبغي وكفها عما لا ينبغي ، واعلم أن هذه الأصناف قد أحاطت بمولدات الأركان وهي المعدن والنبات والحيوان وما ثم مولد رابع سوى هذه الثلاثة ، ففرض اللّه الزكاة في أنواع مخصوصة من كل جنس من المولدات لطهارة الجنس فيطهر النوع بلا شك ، وذلك لأن الأصل الذي ظهرت عنه كلها قدوس ، فلما طهرت الأشياء لأنفسها وحصلت فيها دعاوى الملاك لها طرأ عليها من نسبة الملك لغير منشئها ما أزالها عن الطهارة الأصلية التي كانت لها في أنفسها فأوجب اللّه فيها الزكاة ليكون فيها نصيب يرجع إلى اللّه بأمر اللّه لينبه إلى مالكها الأصلي فتكسب الطهارة بذلك التنبيه ، وكذلك في الاعتبار هذه الأعضاء هي طاهرة بحكم الأصل فإنها على الفطرة الأولى ، ولا تزول عنها تلك الطهارة والعدالة ، ولهذا تستشهد يوم القيامة وتقبل شهادتها لزكاتها الأصلية عند الحاكمإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا[ الإسراء : 36 ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ[ النور : 24 ]وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا[ فصلت : 21 ] فهذا كله إعلام من اللّه لنا أن كل جزء فينا شاهد عدل زكي مرضي ، وذلك بشرى خير ، فإن الأمر إذا كان بهذه المثابة فالمآل إلى خير ، فإن اللّه أجل وأعظم وأعدل من أن يعذب مكرها مقهورا فسعد عالم الحس بلا شك والنفس المطلوبة بالوقوف عند الحدود المسؤلة عنها مرتبطة بالحس لا انفكاك لها عن هذه الأدوات الجسمية الطبيعية الزاكية العادلة الزكية ، ولا عذاب للنفس إلا بوساطة تعذيب هذه الجسوم ، وقد أخبر الشارع بمآلها إلى السعادة لكون المقهور غير مؤاخذ بما جبر عليه والنفس غير مؤاخذة بالهم ما لم تعمل ، ولا عمل لها إلا بهذه الأدوات المقهورة فوقع العذاب بالمجموع إلى أجل مسمى ، ثم تقضي عدالة الأدوات فيرتفع العذاب ثم يقضي حكم الشرع بالرفع عن النفس بما همت فيرتفع العذاب المعنوي فلا يبقى عذاب معنوي ولا حسي على أحد بفضل اللّه إلا قدر زمان وقوع العمل في الدنيا وبقدر ما قصر الزمان في الدار الدنيا بذلك العمل لوجود اللذة فيه ، فإن أيام النعيم قصار يكون طول العذاب على النفس مع قصر الزمان المطابق لزمان العمل ، فإن أنفاس الهموم طوال ، فما أطول الليل على أصحاب الآلام وما أقصره بعينه على أصحاب العوافي ، فزمان الشدة طويل على صاحبه ، وزمان الرخاء قصير ، واعلم أن للزكاة نصابا وحولا أي مقدارا في العين والزمان ، كذلك الاعتبار في زكاة الأعضاء لها مقدار في العين والزمان ، فالنصاب بلوغ العين إلى النظرة الثانية والإصغاء إلى السماع الثاني والقدر الزماني يصحبه ، واللّه أعلم .