تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
شرح
كان كذلك ، وبه تعلم أن قول من نسب ابن مسعود إلى النسيان في رفع اليدين دعوى لا دليل عليها ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه ، والأدب في مثل هذا الذي نسبه فيه إلى النسيان أن يقال لم يبلغه ، وكذا قولهم قد صح رفع اليدين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم عن الخلفاء الراشدين ، ثم عن الصحابة والتابعين مناقش فيه . فقد صح عن أبي بكر وعمر وعلي خلاف ذلك كما تقدمت الإشارة إليه ، والذي روي في الرفع عن عمر في سنده مقال ، ولم أجد أحدا ذكر عثمان في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه . ثم في الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح كما تقدم ذكرهم ، وكذا جماعة من التابعين منهم : الأسود ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وخيثمة ، وقيس بن أبي حازم ، والشعبي ، وأبو إسحاق وغيرهم . روى ذلك كله ابن أبي شيبة في المصنف بأسانيد جياد . وروي ذلك أيضا عن أصحاب علي وابن مسعود بسند صحيح وناهيك بهم ، وقد ذكر ذلك ، ثم إن الحكاية التي ساقها في اجتماع الثوري مع الأوزاعي بمنى وما قاله الأوزاعي أخرجها البيهقي من طريق محمد بن سعيد الطبري ، حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني ، سمعت سفيان بن عيينة يقول فساقها . قلت : محمد بن سعيد هذا لا يدرى من هو ، والشاذكوني قال الرازي ليس بشيء متروك الحديث . وقال البخاري : هذا عندي أضعف من كل ضعيف ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وقال مرة كان يكذب ويضع الحديث ، وقد أخرج هذه القصة الحافظ أبو محمد الحرثي في مسند الإمام على غير الوجه الذي ذكره البيهقي حيث روى عن الشاذكوني عن سفيان بن عيينة أنه اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي في دار الحناطين بمكة ، فقال الأوزاعي لأبي حنيفة : ما بالكم لا ترفعون أيديكم في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه ؟ فقال أبو حنيفة : لأجل أنه لم يصح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيه شيء ، فقال الأوزاعي : كيف لم يصح وقد حدثني الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : « أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه » ، فقال أبو حنيفة : حدثنا حماد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، والأسود ، عن ابن مسعود : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشيء من ذلك » فقال الأوزاعي : أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه ، وتقول حدثني حماد عن إبراهيم . فقال أبو حنيفة : كان حماد أفقه من الزهري ، وكان إبراهيم أفقه من سالم ، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه ، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل صحبة ، فالأسود له فضل كبير ، وعبد اللّه عبد اللّه فسكت الأوزاعي اه . فرجح الإمام بفقه الراوي ، كما رجح الأوزاعي بعلو الاسناد وهو المذهب المنصور ، واللّه أعلم . تنبيه : الذي دل عليه حديث الباب فعل الرفع في المواطن الثلاثة ، ولا دلالة فيه على وجوب ذلك ولا استحبابه ، فإن الفعل محتمل لهما والأكثرون على الاستحباب . وقال ابن عبد البر : كل من رأى الرفع وعمل به من العلماء لا يبطل صلاة من لم يرفع إلا الحميدي وبعض أصحاب داود ،