شرح
فصل قال الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة في ركعتي دخول المسجد من قائل بأنهما سنة ومن قائل بوجوبهما والذي أذهب إليه انهما لا تجب عليه إلا إن أراد القعود فيه فإن وقف أو عبر ولم يرد القعود فإن شاء ركع وإن شاء لم يركع ولا حرج عليه ويأثم بتركهما ان قعد ولا يركع إلا أن يدخل في زمان النهي والاعتبار في ذلك أنه لا يخلو هذا الداخل أن يدخل في زمان إباحة النافلة أو في زمان النهي عنها ، فإن دخل في زمان النهي فلا يركع ، فإنه ربما يتخيل بعض الناس أن الأمر بتحية المسجد يعارض النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عنها .
فاعلم أن النهي عند الفقهاء لا يعارض به الأمر الثابت إلا عندنا فإنه لنا في ذلك نظر ، وهو أن النهي إذا ثبت والأمر إذا ثبت فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمرنا إذا نهانا أن نمتثل ذلك من غير تخصيص ، وان نجتنب كل منهي عنه يدخل تحت حكم ذلك النهي . وقال في الأمر الثابت : وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم ، فقد أمرنا بالصلاة عند دخول المسجد ونهانا عن الصلاة بعد الصلاة التي هي صلاة الفجر وصلاة العصر ، فقد حصلنا بالنهي في حكم من لا يستطيع اتيان ما أمر به في هذه الحالة لوجود النهي ، فانتفت الاستطاعة شرعا كما تنفى عقلا فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يقل فافعلوا منه ما استطعتم لا الاستطاعة المشروعة ولا المعقولة ، فوجب العموم في ذلك ، فيقول : إن النهي المطلق منعني من الاتيان بجميع ما يحويه هذه الأمر الوارد من الأزمنة ، فلا أستطيع على هذه الصلاة في هذا الوقت المخصص بالنهي شرعا .
فاعلم أن ذلك المسجد بيت اللّه وكرسي تجليه لمن أراد ان يناجيه ، فمن دخل عليه في بيته وجب عليه أن يحييه ، فعلمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كيف نحيي ربنا إذا دخلنا عليه في بيته فنسلم على الحاضرين من الملأ الأعلى بقولنا : السلام عليكم إذا كان هنالك من البشر من كان ، وإذا لم يكن إلا الملأ الأعلى فلا يخلو هذا الداخل إما أن يكون ممن قد كشف اللّه عن بصره حتى أدرك من بالمسجد منهم ، فسلم عليهم كما يسلم على من وجد فيه من البشر ، وإن لم يكن من أهل الكشف لمن فيه فليقل : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين وينوي كل صالح من عباده ولا يقول السلام على اللّه ، فإن اللّه هو السلام ، ويركع ركعتين بين يدي ربه ويجعل الحق في قبلته ، وتكون تلك الركعتان مثل التحية التي تحيي بها الملوك إذا تجلوا لرعيتهم فإن كان دخوله في غير وقت صلاة فعند ما يدخل المسجد يقوم بين يديه خاضعا ذليلا مراقبا ممتثلا أمر سيده في نهيه عن الصلاة في ذلك الوقت ، فإن رسم له بالقعود في بيته فليركع ركعتين شكرا للّه تعالى حيث أمره بالقعود عنده في بيته ، فهاتان الركعتان في ذلك الوقت صلاة شكر ، ومن ركع قبل الجلوس وليس في نيته الجلوس وهو وقت صلاة فتلك الركعتان تحية للّه لدخوله عليه في بيته ، ومن راعى من العارفين دخوله على الحق في بيته ولم يخطر له خاطر التقييد بالأوقات كان ركوعه ركوع تحية لدخوله ، ومن كان حاضرا على الدوام مناجيا للّه في كل حال فليست بتحية مطلقا . ولكنها