شرح
الدار الآخرة خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً[ الغاشية : 2 - 4 ] وتحويل آخر ، وهو أن يتصف العبد السعيد في الآخرة بما يتصف به السعيد في الدنيا من العزة والجاه والتنعم ، فينقلب إليه المؤمن في الآخرة ، وينقلب عنه الكافر في الآخرة بصفة المؤمن في الدنيا من الفقر والفاقة والسجن والبلاء ، فهذا أنواع التحويل .
وأما الاعتبار في وقت التحويل ، فهو في الاستسقاء في أول الخطبة أو بعد مضي صدر الخطبة ، فاعلم أن اعتبار التحويل في أول الخطبة هو أن يكون الإنسان في حال نظره لربه بربه ، فينظر في أول الخطبة لربه بنفسه ، وهو قوله في أول الصلاة حمدني عبدي ، فلو كان حال المصلي في وقت الحمد حال فناء بمشاهدة ربه أنه تعالى حمد نفسه على لسان عبده لم يصدق من جميع الوجوه حمدني عبدي وهو صدق ، ومن قال بعد مضي صدر الخطبة فهو إذا قال :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُفكان في أول الخطبة يثني على ربه بربه في حال فناء علمي ومشهد سني بربه عن نفسه ، فلما أوقع الخطاب كان ثناؤه بنفسه على ربه فيحول عن حالته تلك في هذا الوقت ، فهذا اعتبار تعيين التحويل أو بعد مضي صدرها .
وأما اعتبار استقبال القبلة فمن كان وجها كله ، فإنه يستقبل ربه بذاته . « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه فكان وجها كله » فينبغي للمستسقي ربه أن يقبل عليه بجميع ذاته ، فإنه فقير إليه بكله ، ولهذا يجيب اللّه المضطرين الدعاء ، فإن المضطر هو الذي دعا ربه عن ظهر فقر إليه وما منع الناس الإجابة من اللّه في دعائهم إياه في أكثر الأوقات ، إلا أنهم يدعون ربهم عن ظهر غنى من حيث لا يشعرون ، ونتيجته عدم الاخلاص والمضطر مخلص .
أخبرني الرشيد الفرغاني ، عن الفخر عمر ابن خطيب الري عالم زمانه أن السلطان اعتقله عازما على قتله . قال الرشيد : فأخبرني رحمه اللّه قال : طمعت أن أجمع همي على اللّه في أمري فما تخلص لي ذلك لما يخطر لي من الشبه في إثبات وجود الباري وتوحيده ، فطال مكثي في السجن ، فلما كانت ليلة كنت أنتظر في صبيحتها هلاكي اجتمعت همتي على اللّه الذي يعتقده العامة ، ولم أجد في نفسي شبهة فيه تقدح ، وأخلصت له التوجه . وسألته فما أصبح إلا وقد فرج اللّه عني ، وأخرجت من السجن ورضي عني السلطان ، فهذا استقبال القبلة فإنه إشارة إلى القبول .
وأما الاعتبار في الوقوف عند الدعاء ، فالقيام في الاستسقاء عند الدعاء مناسب لقيام الحق بعباده فيما يحتاجون إليه ، فإنه طلب للرزق بإنزال المطر كما قال تعالى :الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ[ النساء : 34 ] فيسمى من يجعل اللّه الرزق على يده قائما على من يرزق بسببه فشرع القيام في الدعاء في الاستسقاء كأنه يقول : بحال قيامه بين يدي ربه ارزقنا ما نقوم به على عيالنا بما تنزله من الغيث الذي هو سبب في وجود معاشنا .