شرح
الناس من عبادة الشكر إلا قولهم الحمد للّه أو الشكر للّه لفظ ما فيه كلفة ، وأهل اللّه يزيدون على مثل هذا اللفظ العمل بالأبدان والتوجه بالهمم وقال :اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً[ سبأ : 13 ] ولم يقل قولوا الأمة المحمدية أولى بهذه الصفة من كل أمة إذ كانتخَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[ آل عمران : 110 ] .
وأما اعتبار التكبير فيها فمن شبهها بصلاة العيدين ، لأن العيد الأول عيد فطر فهو خروج من حال صيام والصيام يناسب الجدب ، فإن الصائم يعطش كما تعطش الأرض في حال الجدب ، وعيد الأضحى هو عيد زمان الحج ، وأيام عشر الحج أيام ترك زينة ، ولهذا شرع للمحرم ترك الزينة وشرع لمن أراد أن يضحي إذا أهّل بهلال ذي الحجة أن لا يقص ظفرا ولا يأخذ من شعره ، ولما لم تكن زينة الأرض إلا بالأزهار والأزهار لا تكون إلا بالأمطار ، وهذه الأحوال تقتضي عدم الزينة ، فأشبهت الأرض الجدبة التي لا زينة لها لعدم الزهر بعدم المطر فأشبهت صلاة الاستسقاء صلاة العيدين فكبّر فيها كما يكبّر في العيدين ، ومن حمل صلاة الاستسقاء على سائر السنن والنوافل وصلوات الفرائض لم يزد على التكبير المعلوم شيئا وهو أولى ، فإن حالة الاستسقاء حالة واحدة ما هي مختلفة الأنواع ، فإن المقصود إنزال المطر ، فلا يزيد على تكبيرة الإحرام شيئا لأنه ما ثم حالة تطلب تكبيرة أخرى زائدة على تكبيرة الاحرام ، فيحرم على المصلي في الاستسقاء في تكبيرة الإحرام جميع ما تلتذ به النفوس من الشهوات ، ويفتقر إلى ربه في تلك الحالة ، كما حرم على الأرض الجدبة الماء الذي بها حياتها وزينتها ونعيمها ، ليناسب حال العبد بالاحرام حال الأرض فيما حرمت من الخصب .
وأما اعتبار الخطبة فالخطبة ثناء على اللّه بما هو أهله ليعطي ما هو أهله ، فيثني عليه ثناء آخر بما يكون منه ، وهو الشكر على ما أنعم والمصلي مثن على اللّه بما هو أهله ، وعلى ما يكون منه .
فالخطبة ينبغي أن تكون في الاستسقاء ، ومن رأى أن الصلاة ثناء على اللّه يقول : حصل المقصود فأغنى عن الخطبة وتضاعف الثناء على اللّه أولى من الاقتصار على حال واحدة ، فإن الخطبة تتضمن الثناء والذكرىفَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[ الذاريات : 55 ] والاستسقاء طلب منفعة بلا شك .
وأما اعتبار متى يخطب ، فالتشبيه بالسنّة لكونها سنّة أولى من أن تشبه بالفريضة ، فتشبيه الاستسقاء بالعيدين أولى فيخطب لها بعد الصلاة إلا أن يرد نص صريح بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم خطب لها قبل الصلاة ، فيكون النص فيها فلا تقاس على سنة ، ولا على فريضة ، بل تكون هي أصلا في نفسها يقيس عليها من يجيز القياس ، وإذا كان العيد يخطب فيه بعد الصلاة ، مع أن المراد بالخطبة تذكير الناس وتعليمهم وهم لا يقيمون ، بل ينصرف أكثرهم بتمام الصلاة ، فالخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة أولى ، لأنهم لا ينصرفون حتى يستسقي الامام بهم ، فإنهم للاستسقاء خرجوا ، والخطبة إنما تكون بعد الصلاة وقبل الدعاء بالاستسقاء ، فلا ينصرف الناس ليحصل المقصود من الخطبة .