تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 741

مساهمون:

ص٧٤١
شرح
وأما الاعتبار في القراءة جهرا فإنه يجهر المصلي في الاستسقاء بالقراءة ليسمع من وراءه ليحول بينهم وبين وساوسهم بما يسمعونه من القرآن ليتدبروا آياته ويشتغلوا به ، وليثابوا من حيث سمعهم ، فقد يكون حسن استماعهم لقراءة الإمام من الأسباب المؤثرة في نزول المطر ، فإنه من ذكر اللّه في ملأ فيذكره اللّه في ملأ خير منهم ، فقد يكون في ذلك الملأ من يسأل اللّه تعالى في قضاء حاجة ما توجه إليه هذا الإمام بهذه الجماعة فيمطرون بدعاء ذلك الملك الكريم لهم من ذلك الملأ الظاهر عند اللّه ، فالجهر بالقراءة فيها أولى وبالقراءة جهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في صلاة الاستسقاء . وأما الاعتبار في تحويل الرداء فهو إشارة إلى تحويل الحال من الجدب إلى الخصب ، كما تحول أهل هذا المصر من حالة البطر والأشر وكفران النعمة إلى حالة الافتقار والمسكنة ، فطلبوا التحويل بالتحويل فيقولون : أي ربنا إهدنا إليك ورجعنا عما كنا عليه ، فالتنعم بالنعم والخصب على جهة البطر أوجب الجدب والافتقار والمسكنة والخشوع والذلة أوجب الخصب ، فإن الشيء لا يقابل إلا بضده حتى ينتجه فهذا تحويل الرداء . وأما الاعتبار في كيفية تحويله ، فهو على ثلاث مراتب يجمعها كلها العالم إذا أراد أن يخرج من الخلاف ، وهو أن يرد ظاهره باطنه وباطنه ظاهره وأعلاه أسفله وأسفله أعلاه ، والذي على يمينه يرده على يساره ، والذي على شماله يرده على يمينه ، وكل ذلك إشارة إلى تحويل الحال التي هم عليها من الجدب إلى حالة الخصب . فأما اعتبار ظاهر الرداء وباطنه ، فهو أن تؤثر أعمال ظاهره في باطنه وأعمال باطنه تظهر بالفعل على ظاهره ، وهو من نوى أن يعمل خيرا أو هو قادر على فعله ، فليفعله ، ومن عمل عملا صالحا أثر له في نفسه المحبة والطلب إلى الشروع في عمل آخر ، ولا سيما إن انتج له ذلك العمل علما في نفسه كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ، وقال تعالى :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ البقرة : 282 ] وأما تحويل أعلى الرداء وأسفله فهو الحاق العالم الأعلى بالأسفل وإلحاق العالم الأسفل بالأعلى في النسبة إلى اللّه والافتقار إليه ، فإن اللّه كما توجه إلى أعلى الموجودات قدرا وهو القلم الإلهي أو العقل الأول ، كذلك توجه إلى أدنى الموجودات قدرا وهو أشقاهم عند اللّه وأخسهم منزلة على حد واحد ، لأن اللّه لا يتفاضل في نفسه ، فالعالم كله أعلاه وأسفله مرتبط في وجوده بحقيقة إلاهيته فلا تفاضل ، فهذا إلحاق الأسفل بالأعلى وإلحاق الأعلى بالأسفل ، وأما تحويل ما هو على الشمال على اليمين وبالعكس ، فاعلم أن صفات السعداء في الدعاء الخشوع والذلة وهم أهل اليمين ، فتتحول هذه الصفة على أهل الشمال في الدار الآخرة ، فكان السعداء أخذوها منهم في الدنيا قال تعالى في السعداء :الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ[ المؤمنون : 2 ] ، وقال : خاشعين للّه وقال :يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ[ النور : 37 ] وقال :أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[ المائدة : 54 ] وقال في حق الأشقياء في