شرح
فإن المضطر تجاب دعوته بلا شك ، كذلك العبد إذا لم يكن في حال أداء واجب ، وأراد الاستسقاء برز إلى المصلى وجمع الناس وصلى ركعتين ، فالشروع في تلك الصلاة عبودية اختيار وأداء ما فيها من قيام وركوع وسجود عبودية اضطرار ، فإنه يجب عليه في الصلاة النافلة بحكم الشروع الركوع والسجود ، وكل ما هو فرض في الصلاة ، فإذا دعا عقيب عبودية الاضطرار فقمن أن يستجاب له ويدخل في الهيئة الخاصة من رفع اليدين وتحويل الرداء واستقبال القبلة والتضرع إلى اللّه والابتهال في حق المحتاجين إلى ذلك كائنا من كان ، ولما ذكرناه وقع الاختلاف في البروز إلى الاستسقاء ، وقد برز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى خارج المدينة فاستسقى بصلاة وخطبة ، واعتبار البروز من المصر إلى خارجه خروج الإنسان من الركون إلى الأسباب إلى مقام التجريد والفضاء حتى لا يكون بينه وبين السماء الذي هو قبلة الدعاء حجاب سقف ولا غيره ، فهو خروج من عالم ظاهره مع عالم باطنه في حال الاقتصار إلى ربه بنية التخلق بربه في ذلك أو بنية الرحمة بالغير أو بنفسه أو بمجموع ذلك كله .
وأما اعتبار الوقت الذي يبرز إن برز فمن ابتداء طلوع حاجب الشمس إلى الزوال ، وذلك عندما يتجلى الحق لقلب العبد بالتجلي المشبه بالشمس لشدة الوضوح ورفع اللبس وكشف المراتب والمنازل على ما عليه حتى يعلم ويرى أين يضع قدمه لئلا يهوي أو يخطئ الطريق ، أو تؤذيه هوام أفكار ردية ووساوس شيطانية ، فإن الشمس تجلو كل ظلمة وتكشف كل كربة ، فإن بطلوعها شرع أهل الأسباب في طلب المعاش ، والمستسقي طالب عيش بلا شك ، فما دام الحق يطلب العبد لنفسه بما ينقبض من الظل من طلوع الشمس إلى الزوال ليكون طلبه للأشياء من اللّه بربه لا بنفسه ، لذلك نبهه على ذلك بقبض الظل إلى حد الزوال ، فلهذا كان البروز إلى المصلى من طلوع الشمس ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما برز إلى الاستسقاء خرج حين بدا حاجب الشمس ، فاعتبرناه على ذلك الحد للمناسبة والمطابقة .
وأما اعتبار الصلاة في الاستسقاء ، فاعلم أنه لما شرع اللّه في الصلاة الدعاء بقوله :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَوالاستسقاء دعاء ، فأراد الحق أن يكون ذلك الدعاء في مناجاة مخصوصة يدعو فيها بتحصيل نصيبه المعنوي من الهداية إلى الصراط المستقيم صراط النبيين الذين هداهم اللّه تهمما بطلب الأولى الذي فيه السعادة المخصوصة بأهل اللّه ، ثم بعد ذلك يستشفعون في طلب ما يعم الجميع من الرزق المحسوس الذي يشترك جميع الحيوانات وجميع الناس من طائع وعاص وسعيد وشقي فيه ، فابتدأ بالصلاة ليقرع باب التجلي واستجابة الدعاء فيما يزلف عند اللّه ، فيأتي طلب الرزق عقيب ذلك ضمنا ليرزق الكافر بعناية المؤمن والعاصي بعناية الطائع ، فلهذا شرعت الصلاة في الاستسقاء فعبودية الاختيار قبل عبودية الاضطرار تأهب واستحضار وتزيين محل وتهيؤه ، وعبودية الاختيار عقيب عبودية الاضطرار شكر وفرح وبشرى بحصول عبودية الاضطرار ، فالأولى بمنزل النافلة قبل الفرض ، والثانية بمنزلة النافلة بعد أداء الفرض وعبادة الشكر مغفول عنها ، ولذا قال تعالى :وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ[ سبأ : 13 ] وما بأيدي