تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
شرح
« استسقيتك عبدي فلم تسقني . قال : كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ فقال : استسقاك فلان فلم تسقه » فهذا الرب قد استسقى عبده في حق عبده لا في حق نفسه ، فإنه يتعالى عن الحاجات ، فكذلك استسقاء النبي والعلماء باللّه إنما يقع عنهم لحق الغير فهم ألسنة أولئك المحجوبين بالحياة الدنيا عن لزوم الحياة لهم حيث كانوا تخلقا بالاستسقاء الإلهي . إذ الفقير المحقق من لا تقوم به حاجة معينة فتملكه لعلمه بأنه عين الحاجة فلا تقيده حاجة ، فإن حاجة الكون إلى اللّه مطلقة من غير تقييد ، كما أن غناه سبحانه عن العالم مطلق من غير تقييد فهم يقابلون ذاتا بذات وينسبون إلى كل ذات بما تعطيها حقيقتها ، فإذا كان الحق يستسقي عبده ؟ فالعبد أولى ، وإذا كان الحق ينوب عن عبده في استسقاء عبده ليسقي عبده فالعبد أولى أن يستسقي ربه ليسقي عبده وهو أولى بالنيابة عن مثله من الحق عنه إذ ليس كمثله شيء ، فمن الأدب مع اللّه الاستسقاء في حق الغير ، فإن أصحاب الأحوال محجوبون بالحال عن العلم الصحيح ، فصاحب الحال غير مؤاخذ بسوء الأدب إذ كان لسانه لسان الحال ، وصاحب العلم مؤاخذ بأدنى شيء ، وشتان بين المقامين شاهد العلم عدل وشاهد الحال فقير إلى من يزكيه في حاله ولا يزكيه إلا صاحب العلم ، والعلم متجل يظهر نفسه ، والحال ملتبس يحتاج إلى دليل يقويه لضعفه أن يلحق بدرجة الكمال ، فصاحب الحال يطلب العلم ، وصاحب العلم لا يطلب الحال أي عاقل يكون من يطلب الخروج من الوضوح إلى اللبس ، فإذا فهمت ما قررناه تعين عليك الاستسقاء فاشرع فيه . وأما اعتبار البروز إلى الاستسقاء ، فاعلم أن الاستسقاء له حالان . الحال الأولى : أن يكون الإمام في حال أداء واجب فيطلب منه الاستسقاء فيستسقي على حالة تلك من غير تغيير ولا خروج عنها ولا صلاة ولا تغير هيئة ، بل يدعو اللّه ويتضرع في ذلك ، فحال هذا بمنزلة من يكون حاضرا مع اللّه فيما أوجب اللّه عليه ، فيتعرض له في خاطره ما يرد به إلى السؤال في أمر لا يؤثر السؤال فيه في ذلك الواجب الذي هو بصدده ، بل هو ربما مشروع فيه كمسألتنا ألا ترى أن الشارع قد شرع للمصلي أن يقول في جلوسه بين السجدتين : اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارزقني ، فشرع له في الصلاة طلب الرزق ، والاستسقاء طلب الرزق ، فليس لمن هذه حالته أن يبرز إلى خارج المصر ولا يغير هيئته ، فإنه في أحسن الحالات ، وعلى أحسن الهيئات ، لأن أفضل الأمور أداء الواجبات . دخل أعرابي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة من باب المسجد ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخطب على المنبر خطبة الجمعة فشكا إليه الجدب وطلب منه أن يستسقي اللّه فاستسقى له ربه كما هو على منبره وفي نفس خطبته ما تغير عن حاله ولا أخر ذلك إلى وقت آخر . وأما الحالة الأخرى ؛ فهو أن لا يكون العبد في حال أداء واجب فيعرض له ما يؤديه إلى أن يطلب من ربه أمرا في حق نفسه أو في حق غيره مما يحتاج أن يتأهب له أهبة جديدة على هيئة مخصوصة ، فيتأهب لذلك الأمر ويؤدي بين يديه أمرا واجبا ليكون بحكم عبودية الاضطرار ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 738 | مرتضى الزبيدي