شرح
فيها الكسوف . وأما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم له فيها ولا أثر وذلك تقدير العزيز العليم صنعة حكيم حتى أن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلا لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض الذي غابت عنه الشمس ، وكذلك القمر لو انكسف في غيبته عنا لم يكن لذلك الكسوف حكم ولا يعتبر كذلك ظاهر الإنسان وباطنه ، فقد يقع الكسوف في الأعمال أي في العلم الذي يطلب العمل كأحكام الشرائع ، وقد يقع في العلوم التي تتعلق بالباطن ولا حكم لها في الظاهر في موضع تعلقها أما في علم العمل وأما في العلم الذي لا يطلب العمل بحسب ما يقع ، فيتعين على من تكون حالته مثل هذه ان يتضرع إلى اللّه تعالى ، فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي يكون في غيبة المكسوف فلا وزر عليه وهو مأجور ، وإن ظهر له النص وتركه لرأيه أو لقياسه فلا عذر له عند اللّه وهو مأثوم وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند علماء هذا الشأن ، وأكثر ما يكون مثل هذا في الفقهاء المقلدين لمن قالوا لهم لا تقلدونا ، واتبعوا الحديث المعارض لكلامنا ، فإن الحديث مذهبنا فأبت المقلدة من الفقهاء أن تولي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث عن أمر إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت اللّه في قوله :وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ[ الحشر : 7 ] وعصت الرسول في قوله فاتبعوني وعصت إمامها في قوله : « خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط » . فهؤلاء لا يزال كسوف الشمس عليهم سرمدا إلى يوم القيامة فيتبرأ منهم اللّه ورسوله والأئمة ، فانظر مع من يحشر مثل هؤلاء . فالصلاة المشروعة في الكسوف إنما هي لمناجاة الحق في رفع ظلمة النفس وظلمة الطبع كما يقول .اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[ الفاتحة : 6 ، 7 ] وهم أهل الأنوارغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وهم أهل ظلمة الطبعوَلَا الضَّالِّينَوهم أهل ظلمة النفس ، فاللّه يحول بيننا وبين من يكسف عقولنا ونفوسنا ويجعلنا أنوارا لنا ولمن يقتدي بنا انه الملي بذلك والقادر عليه .
وأما اعتبار عدد الركعات في الركعتين فاعلم أن الركعتين ظاهر الإنسان وباطنه أو عقله وطبعه أو معناه وحرفه أو غيبته وشهادته ، وأما العشرة فهو تنزيهه في الركعتين خالقه جل وعز عن القبل والبعد والكل والبعض والفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والامام ، فيرجع هذا التنزيه من اللّه عليه فإنه عمل من أعماله فيكون له برجوع هذا العمل عليه هذه الأحكام كلها فلا قبل له ، فإنه لم يكن إلا اللّه واللّه لا يتصف بالقبلية ولا بعد له ، فإنه باق فلا يبعد ولا كل له ، فإنه لا يتجزأ ولا يتحيز ومن لا كل له من ذاته فلا بعض له ولا من يتصف بهذه الصفات فلا جهات له .
وأما اعتبار الثمانية في اثنتين فالثمانية الذات والصفات فتغيب الذات الكونية وصفاتها في الذات الأحدية وتندرج أنوار صفاتها في صفاتها وهو قوله : كنت سمعه وبصره ، وذكر جوارحه فلا تقع عين إلّا عليه ظاهرا وباطنا من عرف نفسه عرف ربه ، فهكذا الأمر في الباطن .