شرح
وسبب كسوف الشمس والقمر معلوم ، وقد جعله اللّه آية على ما يريد أن يحدثه من الكوائن في العالم العنصري بحسب المنزلة التي يقع الكسوف فيها وهو علم قطعي عند العلماء به ، ويكون في مكان أكثر منه في آخر ويبتدئ في مكان ويكون في مكان آخر غير واقع في ذلك الوقت إلى جزء من ساعة على ما يعطيه الحساب ، وحينئذ يبتدئ الكسوف في ذلك الموضع الآخر . وكسوف الشمس سببه أن يحول القمر بين الأبصار وبين الشمس ، فعلى قدر ما يحجب منه يكون الكسوف في ذلك الموضع وقد يحجبه كله فيظلم الجو في أبصار الناظرين والشمس منيرة في نفسها ما تغير عليها حال ، وكذلك القمر سبب كسوفه إنما هو أن يحول ظل الأرض بينه وبين الشمس ، فعلى قدر ما يحول بينهما يكون الكسوف في القمر ، ولهذا يعرفه من يعرفه من العلماء بتسيير الكواكب ومقاديرها فلا يخطؤن فيه ولو لم يكن كذلك ما علموه ، فإن الأمور العوارض لا تعلم والأمور الجارية على أصول ثابتة لا تنخرم فعلمها العلماء بتلك الأصول إلى أن يخرم اللّه ذلك الأصل فلله المشيئة في ذلك ، ولهذا لا يتمكن أن يقال في علم المنجم القائل بذلك أنه علم لأن تلك الأصول التي بني عليها إنما هي عن وضع إلهي في ترتيب استمرت به العادة ، ولما كان الواضع لها وهو اللّه تعالى قد يمكن أن يزيلها لم يكن القائل بوقوعها على علم قطعي ، فإنه ما يعرف ما في نفس الواضع لها وهو اللّه تعالى ، ولكن يقول : إن أبقى اللّه تعالى الترتيب وسيره في المنازل على ما قدره ، فلا بدّ أن يقع هذا الأمر ، فلهذا ينفي العلم عنه فضوء القمر لما كان مستفادا من الشمس أشبه النفس في الأخذ عن اللّه نور الإيمان والكشف ، فإذا كملت النفس وصح لها التجلي على المقابلة وهي ليلة البدر ربما التفتت إلى طبيعتها فتجلت فيها ظلمة طبيعتها ، فحالت تلك الظلمة بينها وبين نورها الإلهي كما حال ظل الأرض بين القمر الذي هو بمنزلة النفس وبين الشمس ، فعلى قدر ما نظرته إلى طبيعتها انحجبت عن نور الإيمان الإلهي فذلك كسوفها ، فهذا كسوف القمر .
وأما كسوف الشمس ، فهو كسوف العقل فإن اللّه خلقه ليأخذ عن اللّه فحالت النفس التي هي بمنزلة القمر بينه وبين الحق من حيثما يأخذ عنه فيريد العقل أن يأخذ عن الحق عن علم ما يوجده في الأرض فتحول النفس بينه وبين الأرض حتى لا ينظر إليه سبحانه فيما يحدثه فيها ، والأرض عبارة عن عالم الجسم فينحجب العقل بحجاب النفس ، فذلك بمنزلة كسوف الشمس فلا يدركها ابصار الناظرين ممن هو في تلك الموازنة ويفوت العقل من العلم باللّه بقدر ما انحجب عنه من عالم الجسم ، فلهذا شرع اللّه التوجه إلى مناجاته والدعاء لرفع ذلك الحجاب ، فإن الحجاب جهل وبعد في الموطن الذي ينبغي له الكمال ، ولهذا لم يكن الكسوف إلا عند الكمال في النيرين في القمر ليلة بدره وهو كماله في الأخذ من الوجه الذي يلينا وكسوف الشمس في ثمانية وعشرين يوما من سير القمر في جميع منازل الفلك ، فلما وصل إلى نهايته وأراد أن يقابل الشمس من الوجه الآخر حتى يأخذ عنها على الكمال في عالم الأرواح كما أخذ عنها ليلة الرابع عشر في عالم الأجسام ليفيض من نوره على عالم الأجسام ، فاشتغلت الشمس باعطاء القمر اسعافا لطلبه ، فكان الكسوف لهذا الإسعاف ، ولهذا لا يكون للكسوفات حكم في الأرض إلّا في الأماكن التي يظهر