شرح
كذلك ظنا منهم أن ذلك من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم روي كل واحد منهم على قدر ما وقع في ظنه ، ومثل هذه الأشياء قد تقع لمن كان في آخر الصفوف ، فعائشة رضي اللّه عنها كانت في صف النساء وابن عباس رضي اللّه عنه كان في صف الصبيان ، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك بالمدينة إلا مرة واحدة ، فيستحيل أن يكون الكل ثابتا ، فعلم بذلك أن الاختلاف من الرواة للاشتباه عليهم ، وقيل : إنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا ، فظنه بعضهم ركوعا فاطلق عليه اسمه فلا يعارض ما رويناه مع هذه الاحتمالات اه .
قال القسطلاني : نعم مقتضى كلام أصحابنا الشافعية كما في المجموع أنه لو صلاها كسنّة الظهر صحت ، وكان تاركا للأفضل أخذا من حديث قبيصة المذكور ، وحديث النعمان رفعه « جعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت » رواهما أبو داود وغيره بإسنادين صحيحين وكأنهم لم ينظروا إلى احتمال أنه صلاها ركعتين بزيادة ركوع في كل ركعة كما في حديث عائشة وجابر وابن عباس حملا للمطلق على المقيد لأنهما خلاف الظاهر وفيه نظر ، فإن الشافعي لما نقل ذلك قال : يحمل المطلق على المقيد ، وقد نقله عنه البيهقي في المعرفة وقال :
الأحاديث على بيان الجواز ، ثم قال : وذهب جماعة من أئمة الحديث منهم ابن المنذر إلى تصحيح الروايات في عدد الركعات وحملوها على أنه صلاها مرات وان الجميع جائز ، والذي ذهب إليه الشافعي ، ثم البخاري من ترجيح الركوعين بأنهما أشهر أو أصح لما مر أن الواقعة واحدة اه .
لكن روى ابن حبان في الثقات أنه صلّى اللّه عليه وسلم صلى لخسوف القمر ، فعليه الواقعة متعددة ، وجرى عليه السبكي والأذرعي وسبقهما إلى ذلك النووي في شرح مسلم ، فنقل فيه عن ابن المنذر وغيره أنه يجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة لأنها جرت في أوقات ، واختلاف صفاتها محمول على جواز الجميع . قال : وهذا أقوى اه .
وقد وقع لبعض الشافعية كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة لا يجزئ اه .
وأيده صاحب عمدة القاري منهم بحديث ابن مسعود ، عند ابن خزيمة في صحيحه ، وعبد الرحمن بن سمرة عند مسلم والنسائي وسمرة بن جندب في السنن الأربعة ، وعبد اللّه بن عمرو وعند الطحاوي وصححه الحاكم وكلها مصرحة بأنها ركعتان ، وحمله ابن حبان والبيهقي على أن المعنى كما كانوا يصلون في الكسوف ، لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة ، وقد كان ابن عباس علمهم أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان كما رواه ابن أبي شيبة وغيره .
وثبت في حديث جابر عند مسلم أن ذلك وقع يوم موت إبراهيم وفيه : إن في كل ركعة ركوعين ، فدل ذلك على اتحاد القصة وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة ، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع والأخذ بها أولى ، وتعقبه العيني في شرح البخاري بأن حمل ابن حبان والبيهقي على المعنى المذكور بعيد ، وظاهر الكلام يرده وبأن حديث أبي بكرة من الذي شاهده