تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 710

مساهمون:

ص٧١٠
اللّه لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر اللّه والصلاة » قال ذلك لما مات ولده إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم وكسفت الشمس فقال الناس : إنما كسفت لموته .
شرح
الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا تقديم لأنه لو كان كما زعموا لم يكن في تخويف ولا فزع ، ولم يكن للأمر بالصلاة والصدقة معنى . ولئن سلمنا ذلك ، فالتخويف باعتبار أنه يذكر بالقيامة لكونه أنموذجا . قال تعالى :فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ[ القيامة : 7 ، 8 ] الآية . ومن ثم قال صلّى اللّه عليه وسلم : « فزعا يخشي أن تكون الساعة » كما في رواية وكان صلّى اللّه عليه وسلم إذا اشتد هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون كريح عاد وإن كان هبوب الرياح أمرا عاديا ، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك إذ كل ما في العالم علوية وسفليه دليل على نفوذ قدرة اللّه تعالى وتمام قهره . فإن قلت : التخويف عبارة عن إحداث الخوف بسبب ، ثم قد يقع الخوف وقد لا يقع وحينئذ يلزم الخلف في الوعيد . فالجواب : المنع لأن الخلف وضده من عوارض الأقوال ، وأما الأفعال فلا إنما هي من جنس المعاريض ، والصحيح عندنا فيما يتميز به الواجب أنه التخويف ، ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة . فإن قيل : الوعيد لفظ عام ، فكيف يخلص من الخلف ؟ فالجواب : إن لفظ الوعيد عام أريد به الخصوص غير أن كل واحد يقول لعلي داخل في العموم ، ولكن أراد تخويفه بإيراد العموم وستر العاقبة عنه في بيان أنه خارج منه ، فيجتمع حينئذ الوعيد والمغفرة ولا خلف ومصداقه في قوله تعالى :وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً[ الإسراء : 59 ] . قال الدماميني : ثم في هذا القول رد لما كانت الجاهلية تعتقد أنهما إنما ينخسفان لموت عظيم ، والمنجمون يعتقدون تأثيرهما في العالم ، وكثير من الكفرة يعتقد تعظيمها لكونهما أعظم الأنوار حتى أفضى الحال إلى أن عبدهما كثير منهم خصهما صلّى اللّه عليه وسلم تنبيها على سقوطهما عن هذه المرتبة لما يعرض لهما من النقص وذهاب ضوئهما الذي عظما في النفوس من أجله . ( فإذا رأيتم ذلك ) أي الكسوف في أحدهما ( فافزعوا ) أي فالجأوا ( إلى ذكر اللّه ) واستغفاره ( وإلى الصلاة » ) أي بادروا إليها ( قال ذلك لما مات ولده إبراهيم ) عليه السلام بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة كما عليه جمهور أهل السير في ربيع الأول ، أو في رمضان ، أو ذي الحجة في عاشر الشهر وعليه الأكثر ، أو في أربعة ، أو في رابع عشرة ، ولا يصح شيء منها مع قول ذي الحجة ، لأنه قد ثبت أنه صلّى اللّه عليه وسلم شهد وفاته من غير خلاف ، فلا ريب أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذ ذاك بمكة في حجة الوداع ، لكن قيل إنه كان في سنة تسع ، فإن ثبت صح ذلك ، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية ، ويجاب بأنه رجع منها في آخر القعدة ، فلعلها كانت في أواخر الشهر . وسيأتي لذلك عود في آخر الباب . ( وكسفت الشمس ) بفتح الكاف والسين والفاء ، وفي أوائل الثقات لابن حبان أن الشمس