تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 709

مساهمون:

ص٧٠٩

الأولى : صلاة الخسوف :

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات
شرح
( الأولى : صلاة الخسوف ) اعلم أن الإضافة على نوعين إضافة تعريف ، وإضافة تقييد ، فكل ما كانت الماهية كاملة فيه تكون إضافته للتعريف ، وما كانت ماهيته ناقصة فإضافته للتقييد نظير الأول ماء البئر ، وصلاة الخسوف ونظير الثاني : ماء الباقلاء وصلاة الجنازة . كذا في مجمع الروايات ، وهو من قبيل إضافة الشيء إلى سببه لأن سببها الخسوف ، ثم أن الكسوف لغة التغيير إلى السواد ، ومنه كسف وجهه إذا تغير ، والخسوف النقصان قاله الأصمعي والجمهور إنهما يكونان لذهاب ضوء الشمس والقمر بالكلية . وقيل : بالكاف في الابتداء ، وبالخاء في الانتهاء ، وقيل : بالكاف لذهاب جميع الضوء ، وبالخاء لبعضه ، وقيل : بالخاء لذهاب كل اللون ، وبالكاف لتغيره ، وزعم علماء الهيئة أن كسوف الشمس لا حقيقة له فإنها لا تتغير في نفسها ، وإنما القمر يحول بيننا وبينها ونورها باق ، وأما كسوف القمر فحقيقة فإن ضوءه من ضوء الشمس وكسوفه بحيلولة ظل الأرض بين الشمس وبينه بنقطة التقاطع ، فلا يبقى فيه ضوء البتة فخسوفه ذهاب ضوئه حقيقة اه . وأبطله ابن العربي بأنهم زعموا أن الشمس أضعاف القمر ، فكيف يحجب الأصغر الأكبر إذا قابله . وقال الطبري في الأحكام في الكسوف فوائد ظهور التصرف في هذين الخلقين العظيمين ، وإزعاج القلوب الغافلة وإيقاظها ، وليرى الناس أنموذج القيامة لكونهما يفعل بهما ذلك ، ثم يعادان فيكون تنبيها على خوف المكر ، ورجاء العفو ، والإعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له ، فكيف من له ذنب ، ثم هي سنة مؤكدة عند الشافعي لفعله صلّى اللّه عليه وسلم وأمره والصارف عن الوجوب ما سبق في العيد . وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة وقول الشافعي في الأم لا يجوز تركها حملوه على الكراهة لتأكدها ليوافق كلامه في مواضع أخر ، والمكروه قد يوصف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوى الطرفين ، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها ، وإليه ذهب بعض الحنفية ، واختاره صاحب الأسرار وهو أبو زيد الدبوسي ، ثم من أوجبها منهم قيل : إنما أوجبها للشمس دون القمر وهو محجوج بالإجماع قبله . ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الشمس والقمر آيتان ) أي علامتان ( من آيات اللّه ) الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته ( لا يخسفان ) بالبناء للمعلوم على أنه لازم ، ويجوز الضم على أنه متعد ، لكن نقل الزركشي عن ابن الصلاح أنه حكى منعه ولم يبين لذلك دليلا أي : لا يذهب اللّه نورهما ( لموت أحد ) من العظماء ( ولا لحياته ) تتميم للتقسيم ، وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد وذكر لدفع توهم من يقول : لا يلزم من نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون سببا للإيجاد ، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم ، وقال بعضهم : أما كونه آية من آيات اللّه فلأن الخلق عاجزون عن ذلك ، وأما أنه من الآيات المخوفة فلأن تبديل النور بالظلمة تخويف ، واللّه تعالى إنما يخوف عبيده ليتركوا المعاصي ويرجعوا لطاعته التي بها فوزهم ، وأفضل الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 709 | مرتضى الزبيدي