شرح
الجماعة في ادراكهم الصلاة على أن يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان ، فإنه واظب على ذلك .
وقال الحافظ في فتح الباري : وما نسب إلى عمر في ذلك يعارضه ما في الصحيحين من حديث ابن عباس ، فإن جمع بوقوع ذلك نادرا وإلا فما في الصحيحين أصح واللّه أعلم .
قال الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة : والحقيقة والسنّة ترك الأذان والإقامة إلا ما أحدثه معاوية على ما ذكره ابن عبد البر في أصح الأقاويل في ذلك ، والسنّة تقديم الصلاة على الخطبة في هذا اليوم إلا ما فعله عثمان بن عفان ، وبه أخذ عبد الملك بن مروان نظرا واجتهادا ، وبناء على ما فهم من الشارع من المقصود بالخطبة ما هو ، والاعتبار في ذلك أنه لما توفرت الدواعي على الخروج في هذا اليوم إلى المصلى من الصغير والكبير ، وما شرع من الذكر المستحب للخارجين سقط حكم الأذان والإقامة لأنهما للاعلام لتنبيه الغافل والتهيؤ هنا حاصل ، فحضور القلب مع اللّه يغني عن إعلام الملك بلمته الذي هو بمنزلة الأذان والإقامة للاسماع ، والذي أحدثه معاوية مراعاة للنادر وهو تنبيه الغافل فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب بالتفرج فيه ، وكانت النفوس في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متوفرة على رؤيته صلّى اللّه عليه وسلم وفرجتها في مشاهدته وهو الإمام ، لم يكن يشغلهم عن التطلع إليه شاغل في ذلك اليوم ، فلم يشرع لهم أذانا ولا إقامة .
وأما تقديم الصلاة على الخطبة فإن العبد في الصلاة مناج ربه ، وفي الخطبة مبلغ للناس ما أعطاه ربه من التذكير في مناجاته ، فكان الأولى تقديم الصلاة على الخطبة وهي السنّة فلم رأى عثمان رضي اللّه عنه أن الناس يفترقون إذا فرغوا من الصلاة ويتركون الجلوس إلى استماع الخطبة قدم الخطبة مراعاة لهذه الحالة على الصلاة تشبيها بصلاة الجمعة ، فإنه فهم من الشارع في الخطبة اسماع الحاضرين ، فإذا افترقوا لم تحصل الخطبة لما شرعت له فقدمها ليكون لهم أجر الاستماع ، ولو فهم عثمان من النبي صلّى اللّه عليه وسلم خلاف هذا ما فعله رضي اللّه عنه واجتهد ، ولم يصدر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك ما يمنع منه ، ولقرائن الأحوال أثر في الأحكام عند من تثبت عنده القرينة ، وتختلف قرائن الأحوال باختلاف الناظر فيها ، ولا سيما وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « صلوا كما رأيتموني أصلي » وقال في الحج « خذوا عني مناسككم » فلو راعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاة العيد مع الخطبة مراعاة الحج ومراعاة الصلاة لنطق فيها كما نطق في مثل هذا ، وكذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصهره خال المؤمنين ، فالظن بهم جميل رضي اللّه عنهم أجمعين ، ولا سبيل إلى تجريحهم وإن تكلم بعضهم في بعضهم فلهم ذلك ، وليس لنا الخوض فيما شجر بينهم فإنهم أهل علم واجتهاد وحديثو عهد بنبوّة وهم مأجورون في كل ما صدر عنهم عن اجتهاد سواء أخطأوا أو أصابوا اه .
وهو كلام نفيس يفتح باب حسن الاعتقاد في سلفنا ويتعين على كل طالب للحق معرفة ذلك ، واللّه يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل .