شرح
فصل وقال أصحابنا : صلاة العيدين واجبة على من تجب عليه الجمعة نصا عن أبي حنيفة في روايته على الأصح ، وبه قال الأكثرون وهو المذهب ، ونقل ابن هبيرة في الإفصاح رواية ثانية عن الإمام بأنها سنّة اه .
قلت : وتسمية محمد إياها في الجامع الصغير سنّة حيث قال : عيدان اجتمعا في يوم واحد الأول سنّة والثاني فريضة ، ولا يترك واحد منهما لكونها وجبت بالسنّة . ألا يرى إلى قوله : ولا يترك واحد منهما فإنه أخبر بعدم الترك والاخبار في عبارات الأئمة والمشايخ بذلك يفيد الوجوب ، والدليل على وجوبها إشارة الكتابوَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ[ البقرة : 185 ] وقوله تعالى :فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[ الكوثر : 2 ] فإن في الأول إشارة إلى صلاة عيد الفطر ، وفي الثاني إشارة إلى صلاة عيد النحر ، والسنّة وهو ما ثبت بالنقل المستفيض عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه واظب عليهما من غير ترك ، وهو دليل الوجوب . وكذا عمل الخلفاء الراشدين من بعده من غير ترك . وقال مالك والشافعي : سنّة مؤكدة واستدلا بحديث الأعرابي في الصحيحين :
« هل عليّ غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوّع » وأجاب أصحابنا عن هذا الحديث أنه لا ينافي الوجوب عندنا لأن الأعرابي لا تجب عليه إذ من شرائطها المصر .
فإن قلت : نقل المزني في المختصر عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال : من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيد ، فهذا يدل على الوجوب . وقد أجاب أصحابه عن هذا بأجوبة ، منها : أنه محمول على التأكيد نقله القسطلاني في شرح البخاري ، ومنها : أنه مؤوّل بمن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيد سنّة والوجوب بمعنى الثبوت أي ثبت عليه ، وقيل : مؤوّل بمن وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيد كفاية ، وعلى التقديرين الأولين ذكر الوجوب للمشاكلة والتأويلان الأولان ذكرهما شارح المحرر ، وقال أحمد وجماعة : هي فرض على الكفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين كالجهاد والصلاة على الجنائز نقله ابن هبيرة في الإفصاح وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي كما تقدم .
وقال أصحاب أحمد : لما كان قوله تعالى :فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْدالّا على الوجوب ، وحديث الأعرابي دالا على عدم وجوبها على كل أحد ، فتعين أن يكون فرضا على الكفاية ، وقد نازعهم الشمس البساطي من أئمة المالكية في ذلك فقال : لا نسلم أن المراد بقوله :فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْصلاة العيد . سلمنا ذلك ، لكن ظاهره يقتضي وجوب النحر ، وأنتم لا تقولون به . سلمنا أن المراد بالنحر ما هو أعلم لكن وجوبه خاص به فيختص وجوب صلاة العيد به ، سلمنا الكل وهو أن الأمر الأول غير خاص به ، والأمر الثاني خاص ، لكن لا نسلم أن الأمر الأول للوجوب ، فيحمل على الندب جمعا بينه وبين الأحاديث الأخر . سلمنا جميع ذلك لكن صيغة