تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
شرح
قال الرافعي : والمستحب أن يقبض بكفه اليمنى كوعه اليسرى وبعض الكرسوع والساعد خلافا لأبي حنيفة حيث قال : يضع كفه اليمنى على موضع كفه اليسرى من غير أخذ . كذلك رواه أصحابنا . قلت : هذا الذي ذكره الرافعي هو المذكور في النهاية وغيره من كتب المذهب وزادوا ويلحق الخنصر والإبهام على الرسغ . وروي عن أبي يوسف يقبض باليمنى رسغ اليسرى ، وقال محمد : يضع الرسغ وسط الكف ، وفي المفيد يأخذ الرسغ بالخنصر والإبهام وهو المختار . كذا في شرح النقاية . قال الرافعي لنا : ما روي عن وائل بن حجر أنه صلّى اللّه عليه وسلم كبر ثم أخذ شماله بيمينه . قلت : رواه أبو داود وصححه ابن حبان ، ثم قال الرافعي : ويروى عنه ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد . قلت : رواه أبو داود وصححه ابن حبان ورواه الطبراني بلفظ : « وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة قريبا من الرسغ » ثم قال الرافعي ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد ذكره القفال لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالتين . وقد أورد الشهاب السهروردي في العوارف وجها لطيفا لمعنى وضع اليمنى على الشمال في الصلاة قال : وفي ذلك سر خفي يكاشف به من وراء استار الغيب ، وذلك ان اللّه تعالى بلطيف حكمته خلق الآدمي وشرفه جعله محل نظره ومورد وحيه ونخبة ما في أرضه وسمائه روحانيا جسمانيا سماويا منتصب القامة مرتفع الهيئة ، فنصفه الأعلى من حد الفؤاد مستودع أسرار السماوات ، ونصفه الأسفل مستودع أسرار الأرض ، فمحل نفسه ومركزها النصف الأسفل ومحل روحه الروحاني والقلب ومركزهما النصف الأعلى ، فجواذب الروح مع جواذب النفس يتطاردان ويتجاذبان وباعتبار تطاردهما وتجاذبهما وتقالبهم لمة الملك ولمة الشيطان ، ووقت الصلاة يكثر التطارد لوجود التجاذب بين الإيمان والطبع فيكاشف المصلي الذي صار قلبه سماويا مترددا بين الفناء والبقاء بجواذب النفس متصاعدة من مركزها وللجوارح وتصرفها وحركتها مع معاني الباطن ارتباط وموازنة ، فبوضع اليمين على الشمال حصر النفس ومنع من صعود جواذبها ، وأثر ذلك يظهر بدفع الوسوسة وزوال حديث النفس في الصلاة ، ثم إذا استولت جواذب الروح وتملكت من القرن إلى القدم عند كمال الإنس ، وتحقق قرة العين واستيلاء سلطان المشاهدة تصير النفس مقهورة ذليلة ويستنير مركزها بنور الروح فتنقطع حينئذ جواذب النفس ، وعلى قدر استنارة مركز النفس يزول كل العبادة ويستغني حينئذ عن مقاومة النفس ومنع جواذبها بوضع اليمين على الشمال فيسبل حينئذ ، ولعل ذلك واللّه أعلم ما نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه صلى مسبلا وهو مذهب مالك اه . ( وقد روي أن التكبير مع رفع اليدين ) هذا شروع في بيان وقت الرفع وفيه وجوه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 62 | مرتضى الزبيدي