الصلاة فليشتغل بالمكتوبة فإنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة » .
شرح
وجوابهم عن الأحاديث الآتية الدالة على أنه صلّى اللّه عليه وسلم صلاهما قبل الفرض هو أنه بيان للأفضل ، وليس يلزم خروج وقتهما بفعل الفرض ، والفعل لا يدل على الوجوب اه .
وقال أبو حنيفة ، وأحمد يفوت وقتهما بفعل فرض الصبح نظرا إلى ظاهر الأحاديث ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم بين بفعله وقتهما فلا يتعدى . ( فإن دخل المسجد ) لصلاة الصبح ولم يكن صلاهما في بيته صلاهما في المسجد واجزأتا عنه من تحية المسجد ، فإن دخل ( وقد قامت الصلاة فليشتغل بالمكتوبة ) أي الفرض مع الجماعة . ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا بالمكتوبة » ) أي إذا شرع في إقامتها فلا صلاة كاملة سالمة من الكراهة إلا المكتوبة التي أقيم لها فلا ينبغي إنشاء صلاة حينئذ غير المفروضة الحاضرة ، وحمل بعضهم النفي بمعنى النهي أي فلا تصلوا حينئذ ، وذلك لئلا يفوته فضل التحريمة مع الإمام الذي هو صفوة الصلاة وما يناله من الأجر لا يفي بما يفوته من صفوة فرضه .
قال العراقي : أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة اه .
قلت : وأخرجه أحمد بلفظ : « إلا التي أقيمت » وابن حبان بلفظ : « إذا أخذ المؤذن في الإقامة » . وأخرجه الأربعة مثل لفظ مسلم . وفي الباب عن ابن عمر وغيره ، وأما ما جاء في بعض الروايات زيادة إلا ركعتي الفجر ، فقال البيهقي : لا أصل لها . وقال الكمال بن الهمام من أصحابنا : وأشدها كراهة أن يصلي عند إقامة المكتوبة مخالطا للصف كما يفعله كثير من الجهلة .
ونقل المناوي في شرح الجامع الصغير نقلا عن المطامح : أن هذه المسألة وقعت لأبي يوسف حين دخل مسجد المدينة والإمام يصلي الصبح ، فصلى ركعتي الفجر ثم دخل مع الإمام فقال له رجل من العامة : يا جاهل الذي فاتك من أجر فرضك أعظم مما أدركت من ثواب نفلك اه .
قلت : أخرج أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه دخل المسجد والقوم في صلاة الغداة ولم يكن صلى الركعتين فصلاهما في ناحية ثم دخل مع القوم في صلاتهم .
وعن سعيد بن جبير أنه جاء إلى المسجد والإمام في صلاة الفجر فصلى الركعتين قبل أن يلج المسجد عند باب المسجد . وعن أبي عثمان النهدي قال : رأيت الرجل يجيء وعمر بن الخطاب في صلاة الفجر فيصلي الركعتين في باب المسجد ثم يدخل مع القوم في صلاتهم . وعن مجاهد قال :
إذا دخلت المسجد والناس في صلاة الصبح ولم تركع ركعتي الفجر فاركعهما وإن ظننت أن الركعة الأولى تفوتك . وعن وبرة قال : رأيت ابن عمر يفعله ، وعن إبراهيم أنه كره إذا جاء والإمام يصلي أن يصليهما في المسجد وقال : يصليهما في باب المسجد أو في ناحية . وعن أبي الدرداء قال : إني لأجيء إلى القوم وهم صفوف في صلاة الفجر فأصلي الركعتين ثم انضم إليهم .
فهذه الآثار دالة على جواز فعل أبي يوسف وكفى له بهؤلاء قدوة ، فالذي قال له يا جاهل هو الجاهل بالسنة ولا ينبغي لصاحب المطامح ولا المناوي الذي نقله أن يسكت على مثل هذا ، فإن الإزراء بمقام المجتهدين مما يضر بالدين ، واللّه أعلم .