وجوها من التحقيق في تحقيق العلوم والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء إلى معرفتها .
أما العامة فربما ضرها سماعها ويهيج عليها الوسواس فلذلك تركناها .
شرح
وغالب الموسوسين لا ينفكون عن اضطراب في العقل وسوء في المزاج ، فهم كالسيف الكليل الطبع كلما زدته تثقيفا زادك تعقيفا وعلى ذلك قول الشاعر :فاسرع مفعول فعلت تغيرا * تكلف شيء في طباعك ضدهفالوسوسة إذا كانت مفرطة وأهملها صاحبها حتى ملكت القوى يصعب إخراجها ويعسر على المرشد علاجها وتتولد منها أمراض عسرة البرء ، فإن لم يمكنه إماتتها فهي التي تضره وتغره وتصرفه عن مراشده وتثبطه عن الخير وتوقعه في أودية الهلاك ، ومتى قهرها وأذلها صار صاحبها إلهيا ربانيا ، فحق الإنسان إذا وسوس له الخاطر في نيته يتذكر أحوال السلف وما كانوا عليه من التساهل فيه فيتبعهم ، ولا يغرنه ما يهجس فيه إن فلانا شدد فيه وفلانا قال كذا ، فلكل وجهة ، وكلّ قال على مقدار حاله ومقامه ، والخير كل الخير في اتباع السلف والاندراج في سلكهم ، وإن كان لا بدّ من التقليد فالسلف أولى بذلك ممن دونهم ، والعاقل يرى طريقين موصلين إلى المقصود أحدهما صعب ، والآخر يسر فيختار أيسرهما . ومما يدلك على أن الوسوسة من سوء الهوى أن صاحبها أبدا يرى ما له دون ما عليه ويعمى عليه ما يعقبه من المكروه ، ولا يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له لا عليه ، ويظن أنه عقل لا هوى ، وفرق بين ما يسومه العقل ويسومه الهوى ، فالعاقل يتدبر فيما ذكرت ويستقصي النظر فيه ولا يتعلق بشبهة مزخرفة ومعذرة مموّهة ، فيكون كالعاشق إذا سئل عن عشقه ، والمتناول لطعام رديء إذا سئل عن فعله ، فقد قال بعض العلماء :
إذا مال العقل نحو مؤلم جميل والهوى نحو ملذ قبيح فتنازعا بحسب غرضيهما وتحاكما إلى القوة المدبرة بادر نور اللّه تعالى إلى نصرة العقل ، ووساوس الشيطان إلى نصرة الهوى . وهذا القدر كاف في هذا الباب ، واللّه أعلم بالصواب .
( وقد ذكرنا في الفتاوى ) وهي أسئلة وردت عليه من أصحابه وأقرانه وأجاب عنها ، ثم جمع ذلك في كتاب وهو مشهور ينقل عنه الأئمة يعتمدونه ، واختصره محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر الفارقي في كتاب صغير وقفت عليه ونقلت عنه بعض ما أفتي به في خطبة كتاب العلم من هذا الكتاب ( وجوها من التحقيق في تفصيل العلوم والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء ) أي الخاصة منهم ( إلى معرفتها ) وحفظها ، ( أما العامي فربما يضره سماعها ويهيج الوسواس فلذلك تركناها ) هنا ، وربما تظن أن المراد بالعامي السوقي الجاهل أو المشتغل بالحراثة أو الحرفة أو الكسب وليس كذلك ، فقد ذكر المصنف في إلجام العوام أنه يدخل في معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم ، بل كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة القاصرين أعمارهم عليه الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات المعرضين عن المال والجاه والخلق ، وسائر اللذات المخلصين للّه تعالى في العلوم والأعمال القائمين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات ، المفرغين قلوبهم بالجملة عن