العالم لتعذر عليه فبهذه المعرفة يندفع الوسواس وهو أن يعلم أن امتثال أمر اللّه سبحانه في النية كامتثال أمر غيره ثم أزيد عليه على سبيل التسهيل والترخص . وأقول : لو لم يفهم الموسوس النية إلا باحضار هذه الأمور مفصلة ولم يمثل في نفسه الامتثال دفعة واحدة وأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوله إلى آخره بحيث لا يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية كفاه ذلك . ولا نكلفه أن يقرن الجميع بأول التكبير أو آخره ، فإن ذلك تكليف شطط ، ولو كان مأمورا به لوقع للأوّلين سؤال عنه ولوسوس واحد من الصحابة في النية ، فعدم وقوع ذلك دليل على أن الأمر على التساهل ، فكيفما تيسرت النية للموسوس ينبغي أن يقنع به حتى يتعود ذلك وتفارقه الوسوسة ، ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك فإن التحقيق يزيد في الوسوسة . وقد ذكرنا في الفتاوى
شرح
عليه ) ووقع في خبل ( فبهذه المعرفة يندفع الوسواس ) وينمحي أثره ( وذلك أن تعلم أن امتثال أمر اللّه عز وجل في النية كامتثال أمر غيره ) ، فكما أن امتثال أمر غيره يحصل له فيه المقصود بمجرد القصد والتوجه بالاقبال ، كذلك امتثال أمر اللّه تعالى في قيامه لعبادته ومناجاته يحصل بالقصد والتوجه ، وما عدا ذلك ينطوي فيه انطواء علوم الحادث في مطلق العلم بالحادث ( ثم أزيد عليه على سبيل التسهيل والترخص ) للمريدين . ( وأقول : لو لم يفهم الموسوس النية إلا بإحضار هذه الأمور مفصلة ) كما ذكروا ( ولم يتمثل في نفسه الامتثال ) للأمر ( دفعة واحدة واحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوّله ) الذي هو ألف اللّه ( إلى آخره ) الذي هو وراء أكبر ( بحيث لم يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية كفاه ذلك ولا نكلفه أن يقرن الجميع ) مفصلا ( بأوّل التكبير ) عند ابتداء نطقه بألف الجلالة ( وآخره ) عند تمام نطقه براء أكبر ، ( فإن ذلك تكليف شطط ) أي ذو شطط أي بعد أو جور وظلم ، وقد قال جل وعز :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] ( ولو كان ذلك ) القدر الذي كلف نفسه به ( مأمورا به لوقع للأوّلين ) من السلف ( سؤال عنه ) وبحث فيه ( ولوسوس واحد من الصحابة في النية ) مع كمال تحريهم في طلب السنّة ولو وقع ذلك من آحادهم لنقل إلينا ، ( فعدم وقوع ذلك ) منهم وهم هم ( دليل ) ظاهر ( على أن الأمر على التساهل ) فيها وكانوا يكتفون بالاستحضار الجملي ، ( وكيفما تيسرت النية للموسوس فينبغي أن يقنع بها حتى يتعوّد ذلك ) أي تصير عادة له ( وتفارقه الوسوسة ، ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك فإن التحقيق يزيد في الوسوسة ) .
نقل الراغب رحمه اللّه تعالى في كتاب الذريعة ، قال بعض الحكماء : إن تداركت الخطرة اضمحلت وإلّا صارت شهوة ، وإن تداركت الشهوة تلاشت وإلّا صارت طلبا ، وإن تداركت الطلب وإلّا صار عملا اه .