الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل . فإن هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصلة الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس
شرح
فتندفع الخواطر ويتوجه القلب مرة واحدة ، وأما العامة فيصعب عليهم تلك الحالة ويقعون على أمور توجب عدم اللحوق مع الإمام ، وربما قرأ القرآن في قيامه ولم ينصت المقتدى له لأنه بعد مشغول بالنية ، بل ربما ركع الإمام وهو بعد لم يأت بالنية تكلفا لاستحضار تلك المعاني ، وقد تتحكم هذه الحالة فيه فيتردد ويقول اللّه أكبر ويمده ، وقد تعتريه حالة الشك ثم يعود إلى النية وقد يفضي إلى رفع صوت بالتكبير ولا يبالي هل إمامه قرأ أو ركع أو سجد ، ومنهم من يستحكم فيه ذلك فتفوته الركعة بتمامها وكل هذا مثار للوسواس المنهي عنه .
وقد شاهدت ذلك في سنة 1178 حين نزلت إلى ثغر دمياط لزيارة الشهداء فأمسيت إلى قرية على البحر ودخلت جامعها الأعظم وحضرت العشاء ، فتقدم الإمام فرأيت من المصلين في أمر النية عجبا وغالبهم لم يحصل مع الإمام إلا بعض الصلاة ، فسألت عن مذهبهم فقالوا شافعية ، فقلت لهم : ما بالكم تفعلون هكذا في النية ؟ فقالوا : هكذا أفتى به الرملي ، وذكر لنا مشايخنا فقلت لهم : فإذا كنتم شافعية فما بال إمامكم لا يسكت السكتات المسنونة حتى يلحق المؤتم قراءة الفاتحة ؟ واعجبا اتبعتم الرملي في حضور النية وخالفتموه في غيرها فلم يجدوا جوابا . ورأيت الغالب فيهم العوام وأهل التكسب والتجار .
ومن طالع سيرة السلف عرف أنهم كانوا يتساهلون في مثل هذا ويعتمدون على توجه القلب كما سيأتي للمصنف ، ولا تظنن أن هذه الحالة صارت عادة للعوام فقط ، بل سرت هذه الحالة لبعض الخواص ممن يعتد به ويشار إليه بالعلم والفضل والصلاح والشهرة ، فتراهم يتعبون ويتكلفون لهذا الاستحضار تكلفا شديدا كل على قدر معرفته ومقامه ، ومنهم من يغيب عن حواسه حتى يعرق جبينه ، ومنهم من يحم فهم يدفعون عن أنفسهم ما يطرأ مما يخالف القصد الباطن ، وهذا في الخواص لا ينكر فإنهم يطالعون جلال الملكوت الأعلى ولكن ليس للعوام تقليدهم في هذه المقامات .
( فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا الوجه ) الذي ذكرنا ( فكأنه لم يفهم النية ) ولم يرزق فهم حقيقتها ( فليس في ذلك إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت ) مخصوص ( فأجبت ) الداعي ( وقمت ) إلى إتيان المأمور به فقيامك إلى تلك الصلاة بعد إجابة من دعاك إليها وأنت ملاحظ تلك الصلاة والوقت المخصوص واجابتك للداعي لها هو عين النية ، وما زاد على ذلك من التكلفات فزيادات على القدر المطلوب ، ( فالوسوسة ) إذا ( محض الجهل ) وخبل العقل ، ( فإن هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ) بل في لحظة لطيفة ( ولا تكون مفصلة الآحاد في الذهن ) تفصيلا ترتيبيا ( بحيث تطالعها النفس ) ببصيرتها