تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الاقبال بالوجه على الداخل وانتفاء باعث آخر سواه . وقصد التعظيم به ليكون تعظيما ، فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما . ثم هذه الصفات لا بدّ وأن تكون معلومة وأن تكون مقصودة ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة ، وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب . فمن لم يفهم نية
شرح
( كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الاقبال بالوجه على الداخل فانتفى باعث آخر ) . وفي بعض النسخ : بانتفاء باعث آخر ( سواه ، وقصد التعظيم به ليكون تعظيما فإنه لو قام مدبرا عنه ) بوجهه ( أو صبر ) ومكث في موضعه يسيرا ( فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما ) لفوات قرائن التعظيم . ( ثم هذه الصفات ) المذكورة ( لا بدّ أن تكون معلومة ) له في الذهن ( وأن تكون مقصودة ) قصدا حقيقيا ، ( ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة ) لتواردها معا ، ( وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها ) أي على تلك المعاني والقصود ، وذلك ( إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب ) ، والنية عمل القلب لا عمل اللسان ، وحضور تلك المعاني في القلب من غير احتياج إلى التلفظ أفضل وأحسن وحضورها بالتكلم باللسان إذا تعسر بدونه حسن والاكتفاء بمجرد التكلم من غير حضورها رخصة عند الضرورة ، وعدم القدرة على استحضارها والاكتفاء بعمل القلب هو المعروف من سيرة السلف الماضين ، ولذا جوّز أصحابنا الصلاة بنية متقدمة إذا لم يفصل بينها وبين التكبير عمل ليس للصلاة . قال الناطفي في الأجناس : من خرج من منزله يريد الفرض بالجماعة فلما انتهى إلى الامام كبّر ولم تحضره النية في تلك الساعة إن كان بحال لو قيل له : أي صلاة تصلي ؟ أمكنه أن يجيب من غير تأمل تجوز صلاته وإلّا فلا . وهذا هو المروي عن محمد بن سلمة ، وفي الفتاوى عن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أنه يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة يعني سوى المشي ، إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية . هكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف اه . ولكن الأحوط مقارنة النية للعبادة وأن تكون موجودة عند التكبير خروجا من الخلاف ، فإن الإمام الشافعي يجعل وجودها زمن التكبير شرطا كما تقدم ، ثم من شرط ذلك زاد بأنه لا بدّ من التلفظ باللسان حتى يكون مطابقا مع القلب ، ولا بدّ من استحضار أركان تلك الصلاة المؤداة بتمامها حتى شدات الفاتحة بحيث لو شذ عن ذهنه شيء من ذلك لم تصح نيته ، وهذا هو الذي اعتمده الرملي في شرحه على المنهاج واقتفاه المتأخرون وجعلوا ما سوى ذلك غير المعتمد ، وكنت أحب أن يجعل هذه التقييدات للخاصة من أهل العلم فإنهم يقدرون على استحضار تلك المعاني أجمعها في أذهانهم في لحظة واحدة ، ويغلب عليهم هيبة القيام إلى الصلاة وجلالة من يناجونه