تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
عباس رضي اللّه عنهما : ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه .

فضيلة المسجد وموضع الصلاة :

قال اللّه عز وجل :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ التوبة : 18 ] ،
شرح
( وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : ركعتان مقتصدتان ) أي متوسطتان بين الإفراط والتفريط ( في تفكر ) أي مع تفكر في آلاء اللّه تعالى وعظمته وجلاله ( خير من قيام ليلة ) أي كاملة ( والقلب ساه ) أي غافل ومن هنا قالوا : تفكر ساعة خير من عبادة الثقلين أي : عبادة بخشوع القلب والجوارح خير من عبادة ليس فيها ذلك . وفي العوارف ، وقال ابن عباس : ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة . قلت : وقد جاء في المرفوع عن أبي أمامة فيما رواه سمويه في فوائده ، والطبراني في الكبير عنه « ركعتان خفيفتان خير من الدنيا وما عليها » وفي الزهد والرقائق لابن المبارك عن أبي هريرة « ركعتان خفيفتان مما تحقرون أحب إليه من بقية دنياكم » والمراد بالخفيفتين الاقتصاد فيهما مع كمال الخشوع كما يشعر بذلك المقام . فضيلة المسجد : بيت الصلاة والجمع المساجد ( و ) فضيلة ( موضع الصلاة ) وهو أخص من المسجد . ( قال اللّه عز وجل ) :ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ[ التوبة : 17 ] وروي أنه لما أسر العباس يوم بدر وعيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم وأغلظ له علي رضي اللّه عنه في القول فقال : تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا . إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني فنزلتأُولئِكَ حَبِطَتْالآية ثم قال : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ) أي شيئا من المساجد ، وقيل : بل المسجد الحرام ، وإنما جمع لأنه قبله المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع ، ويدل عليه قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، ويعقوب بالتوحيد( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ[ التوبة : 18 ] ) أي إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ، ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ، ودرس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من بنى ) بنفسه أو بني له بأمره ( مسجدا ) أي محلا للصلاة . وفي رواية : للّه مسجدا أي لأجله ، وتؤيده رواية « يبتغي به وجه اللّه » وفي أخرى « لا يريد به رياء ولا سمعة » وأيا مّا كان فالمراد الإخلاص ، وقد شدد الأئمة في تحريه حتى قال ابن الجزري : ومن كتب اسمه على مسجد بناه فهو بعيد من الإخلاص والتنكير للشيوع فيشمل الصغير والكبير ، وبه خرجت رواية الترمذي كما سيأتي بيانها وإطلاق البناء غالبي ، فلو ملك بقعة لا بناء بها أو كان