تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
شرح
الجنس النوعين والثلاثة ، وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة والأكثر ، فمن وجد نصا متواترا فليقف عنده أو كشفا محققا عنده ، ومن كان عنده الخبر الواحد الصحيح فليحكم به إن تعلق حكمه بأفعال الدنيا ، وإن كان حكمه في الآخرة فلا يجعله في عقيدته على التعيين ، وليقل : إن كان هذا عن الرسول في نفس الأمر كما وصل إلينا فأنا مؤمن به وبكل ما هو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعن اللّه مما علمت ومما لم أعلم ، فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به إن كان من النقل فما ثبت بالتواتر ، وإن كان من العقل فما ثبت بالدليل العقلي ما لم يقدح فيه نص متواتر ، وإن قدح فيه نص متواتر لا يمكن الجمع بينهما اعتقد النص وترك الدليل ، والسبب في ذلك أن الإيمان بالأمور الواردة على لسان الشرع لا يلزم منها ، أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه الايمان ، فيعلم العاقل أن اللّه قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي أفاد التواتر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قاله ، وإن خالف دليل العقل فبقي على علمه من حيث ما هو علم ويعلم أن اللّه لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الايمان بذلك المعلوم لا أنه يزول عن علمه ، ويؤمن بهذا النص على مراد اللّه به فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك النص القادح في معلومه آمن به في موضعه الذي عينه الحق له بالنظر إلى من هو المخصوص بذلك الخطاب ، وهل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة لما يؤدي إليه من التشويش فليشكر اللّه على ما منحه ، فهذه مقدمة نافعة في الطريق . ولما اختص اللّه من الشهور شهر رمضان وسماه باسمه تعالى ، كذلك اختص اللّه من أيام الأسبوع يوم العروبة وهو يوم الجمعة ، وعرّف الأمم أن للّه يوما اختصه من هذه السبعة الأيام وشرفه على سائر أيام الأسبوع ، ولهذا يغلط من يفضل بينه وبين يوم عرفة ويوم عاشوراء ، فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع ، ولهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة ، ويوم عاشوراء يوم الجمعة ، ويوم الجمعة لا يتبدل لا يكون أبدا يوم السبت ولا غيره من الأيام ، ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه ، وفضل يوم عرفة وعاشوراء وغيره لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض ، فيدخل مفاضلة عرفة وعاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة الموجبة للفضل في ذلك النوع ، كما أن رمضان إنما فضله على سائر الشهور القمرية لا في الشهور الشمسية ، فإن أفضل أيام الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها ، وقد يأتي شهر رمضان في كل شهور السنة الشمسية فيشرف ذلك الشهر الشمسي على سائر شهور الشمس بكون رمضان كان فيه وكونه فيه أمر عرض له في سيره ، فلا تفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة ولا غيره ، ولهذا شرع الغسل فيه لليوم لا لنفس الصلاة ، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف بيننا انه أفضل بلا شك وأرفع للخلاف الواقع بين العلماء اه . ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( ومن اغتسل ) يوم الجمعة ( للجنابة فليفض الماء على