شرح
السادسة : قد علم من تقييد الغسل بالمجيء والاتيان أن الغسل للصلاة لا لليوم ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن الحسن . فلو اغتسل بعد الصلاة لم يكن للجمعة . ونقل صاحب الهداية عن أبي يوسف كذلك ، فما نسب إليه ابن حزم أنه كان يقول : إن الغسل لليوم لا أصل له ، أو أنه رواية عنه . نعم روي ذلك عن الحسن بن زياد من أئمتنا ، وقد خالفهم الظاهرية وانفردوا بهذا القول وخرقوا الاجماع ، ونسبتهم لظاهر أقوال الصحابة غير صحيح ، فإن المفهوم من كلامهم أن المقصود قطع الروائح الكريهة للحاضرين وهذا مفقود فيما بعد الصلاة ، وقد حكى ابن عبد البر الاجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة فليس يغسل السنّة ولا الجمعة ولا فاعل ما أمر به .
السابعة : استدل مالك برواية البخاري من راح إلى الجمعة أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب إلى الجمعة ، وذهب الجمهور إلى أن ذلك مستحب ولا يشترط اتصاله به ، بل حتى لو اغتسل بعد الفجر أجزأه . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن مجاهد ، والحسن البصري ، والنخعي ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبي جعفر الباقر ، والحكم ، والشعبي . وحكاه ابن المنذر ، عن الثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وبه قال ابن وهب صاحب مالك ، وقال الأوزاعي : يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة . وحكى ابن حزم عن الأوزاعي أنه قال كقول مالك . قال : إلا أن الأوزاعي قال : إن اغتسل قبل الفجر ونهض إلى الجمعة أجزأه .
وحكاه إمام الحرمين وجها ، وقد نسبه النووي للشذوذ كما تقدم ، وجواب الجمهور أن رواية مسلم تبين تعليق الغسل على إرادة اتيان الجمعة ، وليس يلزم أن يكون اتيان الجمعة متصلا بإرادة ذلك ، فقد يريد عقيب الفجر إتيانها ويتأخر الاتيان إلى بعد الزوال ، فلا شك أن كل من تجب عليه الجمعة وهو مواظب على الواجبات إذا خطر له عقب الفجر أمر الجمعة أراد اتيانها ، وإن تأخر الاتيان زمنا طويلا ، وذلك يدل على أنه ليس المدار على نفس الاتيان بل على إرادته ليحترز به عمن هو مسافر أو معذور بغير ذلك من الاعذار القاطعة عن الجمعة ، واللّه أعلم .
الثامنة : مفهوم قوله « من شهد الجمعة » وكذا من جاء منكم الجمعة أنه لا يستحب لمن لم يحضرها ، وقد ورد التصريح بهذا المفهوم في رواية البيهقي المتقدمة ، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء وهو أصح الوجهين عند الشافعية ، وهو مذهب مالك وأحمد . وحكي عن الأكثرين ، وبه قال أبو يوسف . والوجه الثاني للشافعية : أنه يستحب لكل أحد سواء حضر الجمعة أم لا ، كالعبد ، وبه قال أبو حنيفة ، ومحمد . وحكى النووي في الروضة وجها أنه : إنما يستحب لمن تجب عليه الجمعة وإن لم يحضرها لعذر ، ومذهب أهل الظاهر وجوب الاغتسال ذلك اليوم على كل مكلف مطلقا لأنهم يرونه لليوم . قال ابن حزم : وهو لازم للحائض والنفساء كلزومه لغيرهما . قال العراقي : وقد أبعد في ذلك جدا .
التاسعة : قال أبو بكر بن العربي : لما فهم بعض أصحابنا أن المقصود من الغسل يوم الجمعة