فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل » . ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه
شرح
تنبيه : قال أبو بكر بن العربي ، قال علماؤنا : لم يخرج عمر عثمان من المسجد للغسل لضيق الوقت ، وأنا أقول : إنما ذلك لأنه قد تلبس بالعبادة بشرطها فلا يتركها لأفضل من ذلك ، كما لو تيمم لعدم الماء ثم رآه في أثناء الصلاة ، ولو لم يكن كذلك لخرج واغتسل قاله ابن القاسم وابن كنانة اه .
قال العراقي : كلا الأمرين ضعيف ، وإنما لم يكلف الخروج للاغتسال لأنه مستحب وقد ضاق الوقت ، فضيق الوقت جزء علة وليس علة كاملة منفردة بالحكم ، فإنه لو كان واجبا لفعله وإن ضاق الوقت ، ولا سيما إن قيل إنه شرط ، وكيف يقال إنه تلبس بالعبادة مع كونه لم يشرع في الصلاة بعد ؟ واللّه أعلم .
ثم قال المصنف : ( وبما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل » ) . أخرجه أحمد ، وابن أبي شيبة ، والدارمي ، وأبو داود ، والترمذي وحسنه ، والنسائي ، وأبو يعلى ، وابن جرير في تهذيبه ، وابن خزيمة في صحيحه ، والطحاوي ، والبيهقي ، وابن النجار ، والطبراني في الكبير ، والضياء في المختارة . كلهم من طريق الحسن عن سمرة بن جندب . قال في الإمام من يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث . قال الحافظ ابن حجر : وهو مذهب ابن المديني ، وقيل : لم يسمع منه إلا حديث العقيقة اه .
قلت : وسمع منه حديث السكتتين في الصلاة كما تقدم . وأخرجه ابن ماجة ، والطبراني في الأوسط ، والدارقطني في الافراد ، والبيهقي في المعرفة ، والضياء عن أنس . وأخرجه عبد بن حميد ، والطحاوي عن جابر .
وأما معنى الحديث فقال الزمخشري : الباء في قوله : « فبها » متعلقة بفعل مضمر أي فبهذه الخصلة أو الفعلة تنالوا الفضل والخصلة هي الوضوء ، وقوله : « ونعمت » أي نعمت الخصلة هي فحذف المخصوص بالمدح ، وقيل : أي فبالرخصة أخذ ونعمت السنة التي ترك وفيه انحراف عن مراعاة حق اللفظ ، فإن الضمير الثاني يرجع إلى غير ما يرجع إليه الضمير الأوّل ، وقال غيره : هو كلام يطلق للتجويز والتحسين أي فأهلا بتلك الخصلة أو الفعلة المحصلة للواجب ، ونعمت الخصلة هي أو المعنى فبالسنّة أخذ أي بما جوّزته من الاقتصار على الوضوء ، ونعمت الخصلة هي لأن الوضوء تطهير للبدن إذ البدن باعتبار ما يخرج منه من الحديث غير متجزىء ، فكان الواجب غسل جميعه ، غير أن الحدث الخفيف لما كثر وقوعه كان في إيجابه حرج ، فاكتفى الشارع بغسل الأعضاء التي هي الطرف تسهيلا على العباد وجعل طهارة لكل البدن ، وقوله : فالغسل أفضل أي أفضل من الاقتصار على الوضوء لأنه أكمل وأشمل ، فالحديث فيه دلالة على ندب الغسل لا إيجابه .