تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
شرح
فصل في بيان فوائد أحاديث الباب المذكورة : الأولى : قوله « من أتى الجمعة » . الإتيان : هو المجيء مترادفان . وفي الصحيحين : من جاء منكم ، وإذا جاء أحدكم . وعند البخاري : إذا راح أحدكم ، ولكن الرواح قد يختص بالسير في وقت الزوال ، والصحيح إطلاقه وسيأتي الكلام عليه . ولفظ مسلم : « إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة » والمعنى إذا أراد الإتيان أو المجيء دل عليه لفظ مسلم هذا ، فلا تتضاد الروايات وهو يرد على أهل الظاهر قولهم : إنه يصح الاغتسال في جميع النهار ولو قبيل الغروب . وقال ابن حزم : وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا راح أحدكم » فظاهر هذا اللفظ أن الغسل بعد الرواح كما قال تعالى :فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ[ النساء : 103 ] أو مع الرواح كما قال تعالى :إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[ الطلاق : 1 ] أو قبل الرواح كما قال تعالى :إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً[ المجادلة : 12 ] وكل ذلك ممكن . قال العراقي : لولا رواية إذا أراد لكان ظاهر الحديث أن الاغتسال بعده كما في قوله تعالىفَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْلكن تلك الرواية صرحت بكونه قبله . الثانية : ذكر المجيء والاتيان في الروايات المتقدمة للغالب ، وإلا فالحكم شامل لمجاور الجامع ومن هو مقيم به . الثالثة : قوله : « من شهد الجمعة » . تقدم أن ابن حبان ، والبيهقي روياه بلفظ : « من أتى » فحينئذ يحمل الشهود بمعنى الاتيان والمجيء ، أو هو بمعنى الحضور على أصله وسيأتي ما يتعلق به . الرابعة : قوله « فليغتسل » أظهر في ايجاب الغسل من حديث قصة عثمان لأن هذه الصيغة حقيقة في الوجوب بخلاف قوله في قصة عثمان : كان يأمر بالغسل ، فإنه يحتمل الوجوب والاستحباب كما هو مقرر في الأصول . الخامسة : تعلق الظاهرية بإضافة الغسل لليوم في حديث أبي سعيد وغيره ، وذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة أن هذا القول يكاد أن يكون مجزوما ببطلانه . قال : وقد بين في بعض الأحاديث أن الغسل لأجل الروائح الكريهة ، ويفهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين ، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة . قال : وكذلك أقول لو قدمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يعتد به ، والمعنى إذا كان معلوما قطعا أو ظنا مقاربا للقطع فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ . قال : ومما يبطله أن الأحاديث التي علق فيها الأمر بالمجيء والاتيان قد دلت على توجه الأمر إلى هذه الحالة ، والأحاديث التي تدل على تعليق الحكم باليوم لا تتناول تعليقه بهذه الحالة . فافهم فهو إذا تمسك بتلك أبطل دلالة هذه الأحاديث على تعلق الأمر بهذه الحالة وليس له ذلك .