شرح
قال ابن حزم : وبيقين ندري أن عثمان قد أجاب عمر في إنكاره عليه وتعظيمه أمر الغسل بأحد أجوبة لا بدّ من أحدها إما أن يقول له : قد كنت اغتسلت قبل خروجي إلى السوق ، وإما أن يقول : بي عذر مانع من الغسل ، أو يقول له : نسيت . وها أنا ذا أرجع واغتسل ، فداره كانت على باب المسجد مشهورة إلى الآن ، أو يقول له سأغتسل ، فإن الغسل لليوم لا للصلاة . فهذه أربعة أجوبة كلها موافقة لقولنا أو يقول له هذا أمر ندب وليس فرضا ، وهذا الجواب موافق لقول خصومنا ، فليت شعري ما الذي جعل لهم التعلق بجواب واحد من جملة خمسة أجوبة كلها ممكن وكلها ليس في الخبر منها شيء أصلا اه .
قال العراقي : قلت : الاحتمالات الثلاثة الأول مردودة بأنها على خلاف الأصل ، والاحتمال الرابع سيأتي رده فيما بعد ، وقد روي أن عثمان ناظر عمر في ذلك بما دلّ على أن الأمر بالغسل ليس على الإيجاب والعموم ، وإنما هو على الاستحباب لأهل الخصوص المحافظين على جميع أفعال البر . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن هشيم ، عن منصور ، عن ابن سيرين قال : أقبل رجل من المهاجرين يوم الجمعة فقال عمر : هل اغتسلت ؟ قال : لا . قال : لقد علمت أنّا أمرنا بغير ذلك .
قال الرجل : بم أمرتم ؟ قال : بالغسل . قال : أنتم معشر المهاجرين أم الناس ؟ قال : لا أدري . ثم رواه عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس قال : بينما عمر بن الخطاب يخطب قال : ثم ذكر نحوه لم يسق لفظه .
وقد رواه الطحاوي عن علي بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون فساقه على غير هذه الرواية الأولى ولفظه عنده : أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ أقبل رجل فدخل المسجد فقال له عمر : الآن حين توضأت ؟ فقال : ما زدت حين سمعت الأذان على أن توضأت ثم جئت ، فلما دخل أمير المؤمنين ذكرته فقلت يا أمير المؤمنين ؛ أما سمعت ما قال ؟ قال : وما قال ؟ قلت : ما زدت على أن توضأت حين سمعت النداء ثم أقبلت . فقال : أما أنه قد علم أنا أمرنا بغير ذلك ؟
قلت : وما هو ؟ قال : الغسل . فقلت : أنتم أيها المهاجرون الأوّلون أم الناس جميعا ؟ قال : لا أدري قال الخطابي : ولم تختلف الأمة أن صلاته مجزئة إذا لم يغتسل ، فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها دلّ أنه استحباب كالاغتسال للعيد والاحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدما لسببه ، ولو كان واجبا لكان متأخرا عن سببه كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس اه .
ويوافقه كلام ابن عبد البر فإنه قال : لا أعلم أحدا أوجب غسل الجمعة إلا أهل الظاهر ، وهم مع ذلك يجيزون صلاة الجمعة دون الغسل لها اه .
وإنما صدّ أهل الظاهر عن القول بشرطيته أنهم يرونه لليوم فيصح عندهم فعله بعد صلاة الجمعة ، وذلك يدل على صحة الجمعة بدونه ، واللّه أعلم .