الغسل بوضوء عثمان رضي اللّه عنه . وبما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من توضأ يوم الجمعة
شرح
قال : إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين ، فلم أزد أن توضأت ، فقال : والوضوء أيضا ؟ وقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يأمر بالغسل . وأخرجه مالك في الموطأ ، ومسلم عن يونس بن يزيد كلاهما عن الزهري . وأخرجه الترمذي في الصلاة .
وقال البخاري أيضا : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن عمر رضي اللّه عنه بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر : لم تحتبسون عن الصلاة ، فقال الرجل : ما هو إلا أن سمعت النداء توضأت ، فقال : ألم تسمعوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول :
« إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل » . وأخرجه مسلم في الصلاة ، وأبو داود في الطهارة إلا أن لفظ مسلم : وقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل » .
ثم شرع المصنف في ذكر الأجوبة عن الأحاديث المتقدمة الدالة على الإيجاب فقال : ( وقد عرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان ) رضي اللّه عنه أي ففيه رخصة ، فاستدل بهذه القصة على أنه غير واجب ، وأن الأمر به إنما هو للاستحباب ، لأن عثمان رضي اللّه عنه لم يغتسل ، وأقره على ذلك عمر وسائر الصحابة الذين حضروا الخطبة وهم أهل الحل والعقد ، ولو كان واجبا لما تركه ولا لزموه به ، وقد استدل على ذلك الشافعي رحمه اللّه تعالى فقال في رواية أبي عبد اللّه : فلما علمنا أن عمر وعثمان قد علما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بغسل يوم الجمعة فذكر عمر علمه وعلم عثمان ولم يغتسل عثمان ولم يخرج فيغتسل ولم يأمره عمر بذلك ولا أحد ممن حضرهما من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، دلّ هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالغسل على الأحب ، لا على الإيجاب . وكذلك واللّه أعلم دلّ على أن علم من سمع مخاطبة عمر وعثمان مثل عمر وعثمان اه . نقله البيهقي في المعرفة .
وذكر الطحاوي مثل ذلك وقال : ففيه إجماع منهم على نفي وجوب الغسل ، وقد اعترض ابن حزم على هذا الاستدلال فقال : يقال لهم من لكم بأن عثمان لم يكن اغتسل في صدر يومه ومن لكم بأن عمر أمره بالرجوع للغسل . قلنا : هبكم أنه لا دليل عندنا بهذا ، ولا دليل عندكم بخلافه ، فمن جعل دعواكم أولى من دعوى غيركم ، فالحق أن يبقى الخبر لا حجة فيه هذا كلامه .
قال العراقي : وهو ضعيف جدا أما الاحتمال الأول ، وهو أن يكون عثمان اغتسل في صدر يومه ذلك فهو مردود دلّ الحديث على خلافه ، لأن عمر أنكر على عثمان الاقتصار على الوضوء ولم يعتذر عثمان عن ذلك ، فلو كان اغتسل لاعتذر بذلك وذكره ولم يكن يتوجه عليه حينئذ انكار . وأما الاحتمال الثاني ؛ وهو أن يكون عمر أمره بالرجوع للغسل فهو مرفوع أيضا بأن الأصل خلافه فمن ادعاه فليقم الدليل عليه ، ولا يقال : سقط الدليل للاحتمال لأن ذلك إنما هو عند تكافؤ الاحتمالين ، فأما مع ترجيح أحدهما بوجه من وجوه الترجيحات فالعمل بالراجح ، وقد ترجح عدم أمره بذلك بأنه خلاف الأصل كما ذكرنا فيحتاج مثبته إلى بيان ، وإلّا كان كاذبا مختلقا .