تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
جامعين لهذه الصفات ، أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف يليها . والأصوات ساكنة والمؤذن رفيع الصوت لقوله تعالى :
إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ
شرح
والسادس : الإقامة ( في قرية تشتمل على أربعين ) من الرجال ( جامعين لهذه الصفات ) فلا جمعة على مسافر سفرا مباحا ولو قصيرا لاشتغاله ، لكن يستحب له وللعبد والصبي حضورها إذا أمكن . وقد روي مرفوعا : « لا جمعة على مسافر » لكن قال البيهقي : والصحيح وقفه على ابن عمر ، وذكر المصنف في الوجيز ، وتبعه الرافعي والنووي : الصحة من جملة شروط الوجوب ، ولم ينص عليه هنا كما سيأتي ذكره في جملة الاعذار المسقطة . وأخرج أبو داود وغيره حديثا مرفوعا : « الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض » وروى البيهقي : « الجمعة واجبة إلا على صبي أو مملوك أو مسافر » . وقول المصنف مقيم في قرية فيه خلاف لأصحابنا ، فإنهم قالوا : شرط الوجوب الإقامة بمصر ، فخرج بذلك الإقامة بالقرى فلا جمعة عليهم ، وتقدم دليل ذلك من حديث علي : « لا جمعة ولا تشريق » الحديث . وصححه ابن حزم . وذكره صاحب الهداية مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفناء المصر له حكم المصر فلا يجب على من هو خارج الربض كما في ظاهر الرواية ، والمراد بمن هو خارج الربض أهل السواد . ثم قال المصنف : ( أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف يليها ) وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : لا تجب عليهم وإن كان النداء يبلغهم . هكذا رواه الفقيه أبو جعفر الهندواني ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني . ونقله قاضىخان ، وفي التتارخانية في ظاهر روايات أصحابنا : لا تجب الجمعة على أهل السواد سواء كان السواد قريبا من المصر أو بعيدا . وفي التجنيس والمزيد : لا تجب الجمعة على أهل القرى وإن كانوا قريبا من المصر لأن الجمعة إنما تجب على أهل الأمصار ، ويروى عن أبي يوسف أنها تجب على من كان داخل الحد الذي لو فارقه يثبت له حكم الفطر ، ومن وصل إليه يثبت له حكم الإقامة وهو أصح ما قيل فيه ، لأن الجمعة على أهل المصر بالنص وأهله من كان في هذا الحد ، ثم اختلفوا في حد السواد الذي هو خارج المصر فأطلقه الشافعي وحدده أصحابه بما ذكره المصنف ، وهو أن يبلغها نداء البلد من طرف يليها ، ( والأصوات ساكتة ) أي لا لغط فيها ، والرياح راكدة ، ( والمؤذن صيّت ) أي رفيع الصوت عاليه يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ويؤذن على عادته ، فهذا حد ، وحدّه مالك وأحمد بفرسخ ، وحده أبو حنيفة بثلث فرسخ ، على أن صاحب البدائع من أصحابنا قد ذكر قولا في المذهب وصححه : أنه إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه ، ولكن هذا مخالف للنصوص المشهورة المرجحة في المذهب عن الإمام وصاحبيه ، واختيار جمهور المحققين وأنه لا عبرة ببلوغ النداء ولا بالغلوة ولا بالأميال ، فينبغي أن يكون قول صاحب البدائع شاذا . واستدل المصنف على ايجابها على أهل السواد الذين يبلغهم النداء بالآية فقال : ( لقوله تعالى :إِذا نُودِيَ