الثانية أيضا . ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب ، فإن سلم لم يستحق جوابا ، والإشارة بالجواب حسن ، ولا يشمت العاطسين أيضا . هذه شروط الصحة . فأما شروط الوجوب
شرح
وورعه ، فما خلص إلا بعد الجهد الشديد ، واتفق مثل هذا لبعض أمراء مصر في زماننا لما صلّى الجمعة في إحدى جوامع مصر وكان مغرورا بدولته مستبدا برأيه ، وربما نازعته نفسه في خلافه على مولانا السلطان نصره اللّه تعالى ، فأطنب الخطيب في مدحه بعد أن ذكر اسمه بعد اسم السلطان ، فلما فرغ من صلاته أمر بضرب ذلك الخطيب وإهانته ونفيه عن مصر إلى بعض القرى ، فهذا وأمثال ذلك ينفي للخطباء أن يلتمسوا سخط اللّه تعالى برضا الناس ، فإن ذلك موجب لسخط اللّه تعالى والمقت الأبدي نسأل اللّه العفو منه آمين .
قال الرافعي : وينبغي للقوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الامام وينصتوا ويستمعوا ، والإنصات هو السكوت . والاستماع هو شغل السمع بالسماع ، وهل الانصات فرض والكلام حرام ؟ قولان :
القديم والاملاء وجوب الانصات وتحريم الكلام ، والجديد أنه سنّة والكلام ليس بحرام ، وقيل :
يجب الانصات قطعا والجمهور أثبتوا القولين .
( و ) إذا قلنا بالقديم فإنه ( لا يسلم من دخل والإمام يخطب فإن سلم لم يستحق جوابا ) أي حرمت إجابته باللفظ كما قاله الرافعي ، ( والإشارة بالجواب حسن ) مستحب ( ولا يشمت العاطسين أيضا ) .
واعلم أن في تشميت العاطس ثلاثة أوجه . الصحيح : المنصوص تحريمه كرد السلام ، والثاني :
استحبابه ، والثالث : يجوز ولا يستحب . قال الرافعي : ولنا وجه أنه يرد السلام لأنه واجب ولا يشمت العاطس لأنه سنّة فلا يترك لها الانصات الواجب هذا تفريع القديم ، فأما إذا قلنا بالجديد فيجوز رد السلام والتشميت بلا خلاف ، ثم في رد السلام ثلاثة أوجه . أصحها : عند صاحب التهذيب وجوبه ، والثاني : استحبابه ، والثالث : جوازه بلا استحباب ، وقطع إمام الحرمين بأنه لا يجب الرد ، والأصح استحباب التشميت ، وحيث حرمنا الكلام فتكلم إثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف .
وقال أصحابنا : بعدم جواز رد السلام والتشميت روي عن محمد ، وروي عن أبي يوسف جوازهما ، وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول يرد بقلبه ولا يرد بلسانه ، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سمع العاطس يحمد اللّه في نفسه ولا يجهر ، وعن محمد مثل ذلك قال : ولا يحرك شفتيه ، وفي النصاب إذا شمت أو ردّ السلام في نفسه جاز وعليه الفتوى ، وفي الكبرى الأصوب أنه لا يجيب وبه يفتى ، وعلى الخلاف المبني بين محمد وأبي يوسف إذا لم يرد السلام في الحال هل يرده بعد فراغ الإمام من الخطبة ؟ على قول محمد يرد ، وعلى قول أبي يوسف لا . وأما إذا سمع الخطيب يقول :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ[ الأحزاب : 56 ] فقال الطحاوي :
يجب عليه أن يصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والمشهور عند الأصحاب أنه يصلي سرا في نفسه تحقيقا للانصات وإحرازا للفضيلة .