ولا يمطط ولا يتغنى ، وتكون الخطبة قصيرة بليغة جامعة ، ويستحب أن يقرأ آية في
شرح
والتذكير ، فإذا لم يفهموا ما يقول فهو كالخاطب بالفارسية أو غيرها من الألسن ، ( ولا يمطط ) فيها بأن يطوّل فيها تطويلا فاحشا أو لا يمطط في حروفها وكلماتها فإنه يكره ذلك ، ( ولا يتغنى ) بل يخرج الحروف من مخارجها مسترسلة غير متجاوز عن الحدود ، وينبغي أن ( تكون الخطبة قصيرة ) قصرا عرفيا لا القصر الذي يخرج عن حد التوسط ( بليغة ) بأن تكون غير مؤلفة من الكلمات المبتذلة كخطب أهل الريف ، ومنها خطبة أبي شادوف التي يتمشدق بها بعض المقلدين من المتفقهين فإنها مشتملة على مخاز لا ينبغي استعمالها ولا استماعها ، ولا من الكلمات البعيدة عن أفهام الحاضرين وهي المشتملة على الألفاظ المعقدة . ( جامعة ) لمعاني الوعظ والتذكير والنصيحة مع اختصارها كما هي خطب السلف الصالحين ، ( ويستحب أن يقرأ الآية في الثانية أيضا ) تبركا بها لئلا تخلو خطبة من كلام اللّه تعالى ، ولكن بعد إعادة الحمد والثناء والصلاة كما في الأولى ، ثم يتبع ذلك بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالاستغفار لهم كما تقدم ، وينبغي أن تكون الثانية هكذا : الحمد للّه نحمده ونستعينه الخ لأن هذا هو الثانية التي كان يخطب بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكر الخلفاء الراشدين عموما والعمين والسبطين وأمهما وجدتهما مستحسن ، وإن احتاج إلى ذكر الأربعة الخلفاء على الخصوص بأن كان في بلد فيه الرافضة فلا بأس أن يطيل بذكرهم كل واحد باسمه مع الأوصاف اللائقة بهم ، ثم يعطف عليهم بالباقين من العشرة ، ومما يكره للخطيب المجازفة في أوصاف السلاطين بالدعاء لهم ، فأما أصل الدعاء للسلطان فقد ذكر صاحب المهذب وغيره أنه مكروه ، والاختيار أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه ولا نحو ذلك ، فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمر والآن صار واجبا لأنه مأمور به من السلطان .
فصل وقدر أصحابنا تخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل ، وكرهوا التطويل مطلقا .
ومنهم من كرهه في أيام الشتاء لقصرها ، وقد روي عن ابن مسعود طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة من فقه الرجل ، أي : هذا مما يستدل به على فقهه ، وهذا عام سواء كان في الشتاء أو الصيف ، والكلام الوجيز في مثل هذه الحالة يعد طويلا لأن المكان أعد للخطبة ، والخطيب هيأ نفسه فإذا جاء بذكر وإن قل يكون خطبة ولا يبعد أن يختلف الكلام باختلاف المحل ، وكرهوا الاطناب في مدح الجائرين من الملوك بأن يصفه عادلا وهو ظالم أو يصفه بالغازي وهو لم يوجف على العدوّ بخيل ولا ركاب ، ولكن مطلق الدعاء لهم بالصلاح لا بأس به ، وكذا لا بأس بأن يصفه ببعض الألقاب اللائقة بحاله ، فإن تعظيم الملوك شعار أهل الإسلام ، وفيه إرهاب على الأعداء . وقد اتفق أن الملك الظاهر بيبرس رحمه اللّه تعالى لما وصل الشام وحضر لصلاة الجمعة أبدع الخطيب بألفاظ حسنة يشير بها إلى مدح السلطان وأطنب فيه ، فلما فرغ من صلاته أنكر عليه وقال مع كونه تركيا ما لهذا الخطيب يقول في خطبته السلطان السلطان ليس شرط الخطبة هكذا ، وأمر به أن يضرب بالمقارع فتشفّع له الحاضرون . هذا مع كمال علم الخطيب وصلاحه