تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
شرح
ويؤيده ما رواه قاسم بن ثابت السرقسطي في غريب الحديث ، عن عثمان رضي اللّه عنه أنه صعد المنبر فقال : الحمد للّه فارتج عليه ، فقال : إن أول كل مركب صعب وأن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى أمام قوال ، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء اللّه تعالى واستغفر اللّه لي ولكم ، ونزل وصلى بهم ولم ينكر عليه أحد منهم ، فكان إجماعا منهم على عدم اشتراطها ، وعلى كون الحمد للّه يسمى خطبة لغة وإن لم يسم به عرفا ، واللّه أعلم . فصل وقال الشيخ الأكبر قدس سره : اختلف الناس في الخطبة هل هي شرط في صحة الصلاة وركن من أركانها أم لا ؟ فذهب الأكثرون إلى أنها شرط وركن ، وقال قوم : إنها ليست بفرض ، وبه أقول فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما نص على وجوبها ، ولا ينبغي لنا أن نشرع وجوبها ، فإنه شرع لم يأذن به اللّه ، ولكن السنة لم نزل نصليها بخطبة كما فعلت في صلاة العيدين ، مع إجماعنا على أن صلاة العيدين ليست من الفروض ولا خطبتها ، وما جاء عيد قط إلا وصليت الصلاة وكانت الخطبة ، والاعتبار في ذلك أن الخطبة شرعت للموعظة وهو داعي الحق في قلب العبد الذي يرده إلى اللّه ليتأهب لمناجاته ومشاهدته في صلاة الجمعة ، كما سن النافلة قبل صلاة الفريضة في جميع الصلوات ، وكما كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين . كل ذلك ليتنبه القلب في تلك النافلة لمناجاة الحق ومشاهدته ومراقبته في أداء الفريضة التي هو مطلوب بها ، فمن رأى أن الانتباه أصل في الطريق كالهروي وغيره قال بوجوب الخطبة ، ومن رأى أن المقصود إنما هو الصلاة وأن الإقامة فيها هو عين الانتباه جعل الخطبة سنة راتبة ينبغي أن تفعل وإن لم ينص عليها ، ولكن ثابر عليها ، فهكذا الانتباه قبل المناجاة للمناجاة أولى من أن يكون الانتباه في عين المناجاة ، فربما تؤثر في مناجاته مرتبته المتقدمة . قال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ الجمعة : 9 ] يحتمل أن يريد بالذكر هنا الخطبة ، فإن اللّه قد سمعناه يقول :إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[ العنكبوت : 45 ] وإن كان يريد : ولذكر اللّه منها أكبر من كل ما فيها من جميع الأقوال والأفعال ، ولكن قد فصل بين الصلاة والذكر وميز ، فقد يكون المراد بذكر اللّه في هذه الآية الذي يسعى إليه هو الخطبة ، وقد تأوله بعض العلماء بالخطبة قال : ثم اختلف القائلون بوجوبها في المجزىء منها ، فمنهم من قال : أدنى ما ينطلق عليه اسم خطبة شرعية ، ومن قائل لا بد من خطبتين ، ومن قائل أقل ما ينطلق عليه اسم خطبة في لغة العرب ، والقائل بالخطبتين يرى أنه لا بد أن يجلس بينهما ويكون في كل واحدة منهما قائما يحمد اللّه في أولها ويصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ويوصي بتقوى اللّه ويقرأ شيئا من القرآن في الأولى ، ويدعو في الثانية . والاعتبار في ذلك درجات المنبر الترقي في المقامات ، والخطبة الأولى بما يليق بالثناء على اللّه والتحريض على الأمور
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 369 | مرتضى الزبيدي