شرح
على هذا بأمرين : أحدهما : أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة ، والثاني : أنه روي عن عائشة أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يجهر . فالجواب : أن أبا الجوزاء ثقة كبير لا ينكر سماعه من عائشة ، وقد احتج به الجماعة . وبديل بن ميسرة تابعي صغير مجمع على عدالته وثقته ، وقد حدث بهذا الحديث عن الأئمة الكبار وتلقاه العلماء بالقبول . ويكفينا أنه حديث أودعه مسلم في صحيحه ، وأما ما روي عن عائشة من الجهر ففي طريقه الحكم بن عبد اللّه بن سعد ، وهو كذاب دجال لا يحل الاحتجاج به ، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح والاحتجاج بالباطل .
فصل وأما أقوال التابعين في ذلك ؛ فليست بحجة مع أنها قد اختلفت ، فروي عن غير واحد منهم الجهر ، وروي عن غير واحد منهم تركه ، وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب ، ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة ، والواجب في مثل هذه المسألة الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال . وقد نقل بعض من جمع في هذه المسألة الجهر عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم ، والمشهور عنهم غيره ، كما نقل الخطيب الجهر عن الخلفاء الأربعة .
ونقله البيهقي ، وابن عبد البر عن عمر وعلي ، والمشهور عنهم تركه كما ثبت ذلك عنهم . وذكر الترمذي تركه عن الخلفاء الأربعة ، وعن الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد وإسحاق ، وكذلك قال ابن عبد البر : لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر ، وهو الصحيح عن ابن عباس قال : ولا أعلم أنه اختلف في الجهر بها عن شداد بن أوس وابن الزبير ، وقد ذكر الدارقطني ، والخطيب عن ابن عمر عدم الجهر ، وكذلك روى الطحاوي والخطيب وغيرهما عن ابن عباس عدم الجهر ، وكذلك ذكر ابن المنذر ، عن ابن الزبير عدم الجهر ، وذكر ابن عبد البر والخطيب عن عمار بن ياسر الجهر ، وذكر ابن المنذر عنه عدم الجهر ، وذكر البيهقي والخطيب وابن عبد البر عن عكرمة الجهر ، وذكر الأثرم عنه عدمه ، وذكر الخطيب وغيره عن ابن المبارك وإسحاق الجهر ، وذكر الترمذي عنهما تركه ، وذكر الأثرم عن إبراهيم النخعي أنه قال : ما أدركت أحدا يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم ، والجهر بها بدعة . وذكر الطحاوي عن عروة قال : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد للّه رب العالمين ، وقال وكيع : كان الأعمش ، وابن أبي خالد ، وابن أبي ليلى ، وسفيان ، والحسن بن صالح ، وعلي بن صالح ومن أدركنا من مشيختنا لا يجهرون ببسم اللّه الرحمن الرحيم . وروى سعيد بن منصور في سننه : حدثنا خالد عن حصين ، عن أبي وائل قال :
كانوا يسرون البسملة والتعوّذ في الصلاة .
حدثنا حماد بن زيد ، عن كثير بن شنظير ، أن الحسن سئل عن الجهر بالبسملة فقال : إنما يفعل ذلك الأعراب .
حدثنا عتاب بن بشير ، أخبرنا خصيف عن سعيد بن جبير قال : إذا صليت فلا تجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم واجهر بالحمد للّه رب العالمين .