تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
شرح
فصل ملخص ما قاله صاحب التنقيح ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية ثم قال : وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة ، ولولا أن تعرض للمتفقة شبهة عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الاضراب عن ذكرها أولى ، ويكفي في ضعفها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها ، وقد ذكر الدارقطني منها طرفا في سننه فبين ضعف بعضها وسكت عن بعضها ، وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر فصنف فيه جزءا فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك ، فقال : كل ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الجهر فليس بصحيح ، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف ، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف ، وقد بينا عللها وخللها . ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين . إما أن يكون جهر بها للتعليم ، أو جهر بها جهرا يسيرا ، أو جهر بها جهرا يسمعه من قرب منه ، والمأموم إذا قرب من الإمام أو حاذاه سمع منه ما يخافته ولا يسمى ذلك جهرا ، كما ورد « أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحيانا » . والثاني : أن يكون ذلك قبل الأمر بترك الجهر ، فقد روى أبو داود من مرسل سعيد بن جبير : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم » وكان مسيلمة يدعي رحمان اليمامة فقال أهل مكة : إنما يدعو إله اليمامة ، فأمر اللّه رسوله بإخفائها فما جهر بها حتى مات ، فهذا يدل على نسخ الجهر قال : ومنهم من سلك في ذلك مسلك البحث والتأويل ، فقال : إن أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء . أحدها : بكثرة الرواة فإن أحاديث الاخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك ، وعبد اللّه بن مغفل . وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابيا . والثاني : أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي ، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات ، والاثبات مقدم على النفي . قالوا : وإن أنسا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة ، فروى أحمد والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد أبي مسلمة قال : سألت أنسا أكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم أو الحمد للّه رب العالمين ؟ قال : إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه أو ما سألني عنه أحد قبلك . قال الدارقطني : اسناده صحيح . قلنا : أما اعتراضهم بكثرة الرواة فالاعتماد عليها لا يكون إلا بعد صحة الدليلين . وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح بخلاف حديث الإخفاء ، فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحاح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة ، وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة ، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو حديث ضعيف ، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا ، وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم