شرح
الوجه الثاني : إن قوله : فقرأ أو قال ليس بصريح أنه سمعها منه ، إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا ، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه ، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ، وقد روى مسلم في الصحيح عن علي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا قام في الصلاة : « وجهت وجهي » الحديث . ولم يكن سماع الصحابة ذلك منه دليلا على الجهر ، وكذا قوله : وكان يسمعنا الآية أحيانا .
الوجه الثالث : إن قوله : إني لأشبهكم صلاة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إنما أراد به أصل الصلاة ومقاديرها وهيئاتها وتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه ، بل يكفي في غالب الأفعال وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة ، وكان مقصوده الرد على من تركه . أما التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره ، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » الحديث . وقد سبق ذكره ، وأنه أخرجه مسلم في صحيحه عن سفيان ، ومالك ، وابن جريج كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه وأبي السائب كلاهما عنه ، فهو ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلّا لابتدأ بها لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة ، حتى أنه لم يخل منها بحرف والحاجة إلى قراءة البسملة أمسّ ليرتفع الاشكال . قال ابن عبد البر : حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين وهو نص لا يحتمل التأويل ، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه ، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين .
أحدهما : قال : لا تغتر بكون هذا الحديث في مسلم فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين ، فقال الناس : يتقون حديثه ليس حديثه بحجة مضطرب الحديث ليس بذاك هو ضعيف روى عنه جميع هذه الألفاظ . وقال ابن عدي : ليس بالقوي ، وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به .
الثاني : قال : وعلى تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية ، كما أخرجه الدارقطني عن عبد اللّه بن يزيد بن سمعان عن العلاء فذكره . وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية . وهذا القائل حمله الجهل وفرط التعصب على أن ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه . وقال : لا تغتر بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات كمالك وأضرابه ممن تقدم ذكرهم آنفا عند ذكر المصنف لهذا الحديث ، ولم يذكروا هذه الزيادة . والعلاء نفسه ثقة صدوق من رجال الصحيحين ، وهذه الرواية مما انفرد بها ابن سمعان وهو كذاب ، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولا في المصنفات المشهورة ، ولا المسانيد المعروفة ، وإنما رواه الدارقطني في سننه وفي كتاب العلل مع أنه نبه في كل منهما على حال ابن سمعان بأنه متروك ضعيف ، وحسبك بالأول قد أودعه مسلم في