وخشوعا له . وكان الربيع بن خثيم من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن بعض الناس أنه أعمى ، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود : صديقك الأعمى قد جاء ، فكان يضحك ابن مسعود من قولها ، وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا غاضا بصره ، وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
[ الحج : 34 ] ، أما واللّه لو رآك محمد صلّى اللّه عليه وسلم لفرح بك ، وفي لفظ آخر : « لأحبك » . وفي لفظ آخر : « لأجلّك » .
ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النار تلتهب صعق وسقط مغشيا عليه ، وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق
شرح
( وكان الربيع بن خثيم ) مصغرا ابن عائد بن عبد اللّه بن موهبة بن منقذ الثوري أبو يزيد الكوفي . قال ابن معين : لا يسأل عن مثله . وقال الشعبي : كان من معادن الصدق . وقال غيره :
كان إذا دخل على ابن مسعود لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه ، وروي أنه لما احتضر بكت عليه ابنته فقال يا بنية : ما تبكين قولي يا بشراي أبي لقي الخير . قال ابن سعد : توفي في ولاية عبيد اللّه بن زياد . روى عن ابن مسعود ، وأبي أيوب . وعنه الشعبي ، وإبراهيم . قال الذهبي : كان ورعا قانتا مخبتا باكيا . روى له الجماعة سوى أبي داود . ( من شدة غضه لبصره و ) دوام ( إطراقه ) إلى الأرض ببصره ( يظن به بعض الناس أنه أعمى ، و ) يقال : إنه ( كان يختلف إلى منزل ) عبد اللّه ( بن مسعود عشرين سنة ) لأخذ العلم لا تحسبه جارية ابن مسعود إلّا أعمى لدوام إطراقه إلى الأرض ببصره ، ( فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود : صديقك الأعمى قد جاء ، فكان يضحك ابن مسعود من قولها ) ويقول لها :
ويلك هو الربيع بن خثيم ، ( وكان إذا دقّ الباب ) أي باب ابن مسعود ( تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا ) بنظره إلى الأرض ( غاضا بصره ) ، ولذا كانت تسميه الأعمى . ( وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول :وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [ الحج : 34 ] قال صاحب القوت :
الخاشعون من المؤمنين هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه جزاؤهم البشرى كما قال اللّه تعالى :وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَوالخاشعون أيضا هم الخائفون الذاكرون الصابرون المقيمون الصلاة ، فإذا كملت هذه الأوصاف فيهم كانوا مخبتين ، وقد قال اللّه تعالى :وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. وكان ابن مسعود إذا رأى الربيع بن خثيم قال : ( أما واللّه لو رآك محمد صلّى اللّه عليه وسلم لفرح بك وفي لفظ آخر : « لأجلّك » ) هكذا أورده في القوت . وفي كتاب الشهاب الاسكاري : لو رآك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لأحبك » وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين .
( ومشى ذات يوم مع ابن مسعود ) في سوق ( الحدادين ) بالكوفة ( فلما نظر إلى الأكوار ) جمع كور وهو المبني من الطين الذي يوقد فيه ، ويقال : هو الزق أيضا ( تنفخ ) معرب ( وإلى النيران ) جمع نار ( تلتهب ) أي تشتعل ( صعق وسقط مغشيا عليه ) . وفي