الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ المؤمنون : 10 ، 11 ] فوصفهم بالفلاح أولا ، وبوراثة الفردوس آخرا ، وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ، ولذلك قال اللّه عز وجل في أضدادهم :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
[ المدثر : 42 ، 43 ] فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور اللّه تعالى ، والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم . نسأل اللّه أن يجعلنا منهم
شرح
صَلاتِهِمْ دائِمُونَ[ المعارج : 22 ، 23 ] ثم نسق النعوت فقال في آخرها :وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ[ المعارج 34 ] فلو لا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبابه وختامها ، وكما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها ومدحهم بالخشوع فيها ، والخشوع هو انكسار القلب واخباته وتواضعه ولين الجوانب وكف الجوارح فيها ، والمحافظة هو حضور القلب واصغاؤه وصفاء الهم وافراده في مراعاة الوقت وإكمال طهارته . ( ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات :أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ[ المؤمنون : 10 ، 11 ] فوصفهم بالفلاح أوّلا ) وهو الفوز والظفر وإدراك البغية ، وذلك ضربان : دنيوي هو الظفر بالسعادة التي تطيب بها حياتهم ، وأخروي وهو أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وعز بلا ذل ، وغنى بلا فقر ، وعلم بلا جهل . ولذا قيل : الفلاح جامع للخيور كلها .
( وبوراثة الفردوس آخرا ) وهو خير المستقر والمأوى . والفردوس : اسم جنة من الجنان قيل عربي من الفردسة وهي السعة ، وقيل : رومي معرب ، ووراثته ملكه والفوز به على طريق الملكية .
( وما عندي أن هذرمة اللسان ) أي خلطه وسرعته ( مع غفلة القلب ) عن الحضور والاستحضار فيها ( ينتهي إلى هذا الحد ) وفي نسخة : تنتهي درجته إلى هذا الحد ، ( ولذلك قال اللّه تعالى في ) نعوت ( أضدادهم ) من أهل النار وأصحاب اللعنة وسوء القرار (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) وهي طبقة من طبقات النار أعاذنا اللّه منها (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [ المدثر : 42 ، 43 ] فاعترفوا بذنبهم الأكبر وهو ترك الصلاة ، وقال موبخا لآخر مثلهم :فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى[ القيامة : 31 ] ونهى حبيبه صلّى اللّه عليه وسلم عن طاعة من نهاه عن الصلاة ثم أمره بها وأمره أن القرب فيها فقال :أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى[ العلق : 9 ، 10 ] الآية ( فالمصلون هم ورثة الفردوس ) الأعلى ، ( وهم المشاهدون ) ببصائرهم ( لنور اللّه تعالى ) في صلواتهم ، ( و ) هم ( الممتعون بقربه ودنوّه من قلوبهم ) . وقرب اللّه من العبد هو الإفضال عليه والفيض لا بالمكان ، وقرب العبد من اللّه التحلية بالأوصاف الحسنة والاتصاف بالصفات الحقية مع الطهارة الكاملة من الأوساخ المعنوية ، والدنوّ هو القرب بالذات أو الحكم .
( نسأل اللّه تعالى أن يجعلنا منهم ) أي : من هؤلاء المصلين بالأوصاف المذكورة ( وأن يعيذنا ) أي يحفظنا ( من عقوبة من تزينت ) في الظاهر ( أقواله وقبحت ) في الباطن ( أفعاله ) فهو كلابس ثوبي زور قد أخلده في أرض غفلته الغرور ( إنه الكريم المنان ) الكثير