يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 19 ، 20 ] ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات . قال اللّه عز وجل :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
[ المؤمنون : 1 ، 2 ] فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع . ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ
[ المعارج : 34 ] قال تعالى في ثمرة تلك الصفات :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ *
شرح
ينتقل إلى غيرها ) منذ خلقهم اللّه تعالى ( ولا يفتر ) أي لا يتكاسل ( عنها ) كما قال تعالى في وصفهم : لا يفترون عنها( وَلا يَسْتَحْسِرُونَ )) [ الأنبياء : 19 ] أي : ولا يكلون من طول المدى . (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) أي : أوقاتهما المستغرقة لهما (لا يَفْتُرُونَ) [ الأنبياء : 20 ] .
وهذه العبارة بتمامها منتزعة من سياق القوت بنوع من التغيير قال بعد أن ذكر الخبر المتقدم :
وبذلك فضل المؤمن على الملائكة . قال أحسن القائلين في وصف أوليائه المؤمنينالتَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ[ التوبة : 112 ] ففضل المؤمن في مقامات اليقين في أعمال القلوب على الأملاك بالتفضيل بأن جمعت له فيه ورفع مقامات فيها ، والملائكة لا ينتقلون بل كل ملك موقوف في مقام معلوم لا ينتقل عنه إلى غيره . مثل : الرضا والشكر والخوف والرجاء والشوق والمحبة والانس والخشية ، بل كل ملك له مزيد وعلوّ من المقام الواحد على قدر قواه ، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن ونقل فيه مقامات وكان له من كل مقام شهادات اه .
قال المصنف : ( ومفتاح مزيد الدرجات ) كأنه يشير إلى تلك المقامات العشرة المذكورة ( هي الصلوات قال اللّه تعالى ) وهو أصدق القائلين : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) قال صاحب العوارف ، وروي عن ابن عباس مرفوعا : « لما خلق اللّه تعالى جنة عدن وخلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ثم قال لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون » ثلاثا . (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) [ المؤمنون : 1 ، 2 ] . وفي الصحيح كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء وينظرون يمينا وشمالا ، فلما نزلت هذه الآية جعلوا وجوههم حيث يسجدون ، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلّا إلى الأرض . وقال صاحب القوت : ووصف اللّه تعالى وهو أحسن الواصفين عبادة المتقين المصلين فقال :قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ[ المؤمنون : 1 ، 2 ] ( فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ) ونص القوت : فمدحهم بالصلاة كما وصفهم بالإيمان ، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما افتتح بالصلاة أوصافهم .
( ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال تعالى ) : في آخرها (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) [ المؤمنون : 9 ] وقال في نعت أوليائه المصلين الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب والفقر ، المنوعين المال والخير فقال :إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى