« التحيات » وأحضر في قلبك النبي صلّى اللّه عليه وسلم وشخصه الكريم وقل : « سلام عليك أيها النبي
شرح
المباركات الصلوات الطيبات للّه السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته . السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه . أي تحيات كل محي ومحيى بها في جميع العالم والنسب الإلهية كلها للّه أي من أجل اللّه الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها ، وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلاهية كانت ما كانت ، فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظه التحيات يفوته من الحقائق الإلهية كلها إلا الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيثما هو مقيّد بها من جهة شرعه خاصة ، واللّه أعلم .
ثم قال المصنف : ( واحضر في قلبك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ) أي روحه الزكية ( وشخصه الكريم ) على قدر معرفتك به وتعظيمك له ، وأكثر الناس به معرفة خدمة حديثه الشريف ، فإنهم يطلعون على أحواله الشريفة وشمائله الزكية أكثر من غيرهم فيكون استحضارهم له أقوى وأثبت ، ( و ) إذا تيسر لك ذلك ( قل : « السلام عليك » ) هكذا بالتعريف في النسخ ، وفي بعضها بالتنكير وهو الأوفق .
قال النووي : حذف اللام من السلام في الموضعين جائز أي في تشهد ابن مسعود . قال :
والاثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين ، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس وهو من افراد مسلم اه .
واللام فيه للعهد التقديري أي السلامة من المكاره أو الذي وجه إلى الرسل أو الذي سلمه اللّه عليك ليلة المعراج ، أو المراد حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد وعمن يصدر وعلى من ينزل فيكون للجنس ، أو هي للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى :وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى[ النمل : 59 ] وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره ، وإنما قال « عليك » فعدل عن الغيبة إلى الخطاب لأنه اتباع لفظه صلّى اللّه عليه وسلم بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه كذا أورده القسطلاني في شرح البخاري .
قلت : واختار مشايخنا أهل الباطن أن اللام للجنس فيكون سلامه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام ، وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل عن مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر مّا من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه وقال : ( أيها النبي ) خاطبه مواجهة بالنبوّة لأنها في حق ذات النبي أعم وأشرف ، فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذين هو منه رسول ، فعمّ وعرف ما يخاطب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك الحضور رواية من غير حرف نداء يؤذن ببعد كما هو عليه من حال قوته ، ولهذا جاء بحرف الخطاب ، ثم عطف بعد السلام عليه فقال : ( ورحمة اللّه ) هي الرحمة الإلهية لشمولها للامتنان والوجوب فأضافها إلى اللّه لما رزقه صلّى اللّه عليه وسلم