شرح
الصالحة ، وقيل : ذكر اللّه تعالى ، وقيل : هي التي تصلح أن يثنى بها على اللّه تعالى دون ما لا يليق به ، وقيل : التحيات العبادات القولية ، والصلوات العبادات الفعلية ، والطيبات العبادات المالية .
إشارة التشهد على الحقيقة معناه الاستحضار فإنه تفعل من الشهود وهو الحضور ، والإنسان مأمور بالحضور في صلاته ، فلا بدّ من التشهد وهو الأوجه .
تنبيه : لما كان الشاهد مخاطبا بالعلم بما يشهد به لم يصح الحضور ولا الاستحضار من غير علم المتشهد بمن يريد شهوده ، فلا يحضر معه من الحق إلا قدر ما يعلمه منه وما خوطب بأكثر من ذلك .
واختلفت المقالات في الإله جل وعز فلا بدّ للعاقل إذا انفرد في علمه بربه أن يكون على مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر ، فالسليم العقل من يترك ما أعطاه نظره في اللّه ونظر غيره من أصحاب المقالات بالنظر الفكري ، ويرجع إلى ما قالته الأنبياء عليهم السلام وما نطق به القرآن فيعتقده ويحضر معه في صلاته وفي حركاته وسكناته فهو أولى به من أن يحضر مع اللّه بفكره ، وقد يطرأ لبعض الناس في هذا غلط وذلك أنه يرى أن الإنسان ما يثبت عنده الشرع إلّا حتى يثبت عنده بالعقل وجود الإله وتوحيده وإمكان بعثه الرسل وتشريع الشرائع ، فيرجح بهذا أن يحضر مع الحق في صلاته بهذا العلم وليس الأمر كذلك ، فإنه وإن كان نظره هو الصحيح في اثبات وجود الحق وتوحيده وإمكان التشريع وتصديق الشارع بالدلالات التي أتى بها ، فيعلم أن الشارع قد وصف لنا نفسه بأمور لو وقفنا مع العقل دونه ما قبلناها ، ثم إنّا رأينا أن تلك الأوصاف التي جاءت من الشارع في حق اللّه ومعرفته تطلبها أفعال العبادات وهي أقرب مناسبة إليها من المعرفة التي تعطيها الأدلة النظرية التي تستقل بها ، فرأينا ان نحضر مع الحق في صلاتنا وتشهدنا بالمعرفة الإلهية التي استفدناها من الشارع في القرآن والسّنة المتواترة أولى من الحضور معه بمقالات العقول ، واللّه أعلم .
فصل قد تقدم اختلاف الروايات في التشهد المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكل طائفة ذهب إلى الحديث الذي ثبت عنده وعمل به ، فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد الذي ساقه المصنف فإما أن يكون في حاله قبض وهيبة وجلال عن الاسم الإلهي ، وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن اسم الهي ، وإما أن يكون في حال مراقبة وحضور لموازنة ذاته بما كلفته من العبادات في الصلاة ، فيعمر كل قوة من قوى نفسه في صلاته ، وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من الهيئات أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة وقوّة فيعمرها ، سواء كان في حال هيبة أو أنس أو مراقبة وهو أكمل الأحوال ، فانحصر الأمر في ثلاث مقامات : مقام جلال ، ومقام جمال ، ومقام كمال ، فيتشهد بلسان الجلال فيقول : التحيات