شرح
إحدى حالتين : إما أن يعطي وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الحياة ، وإما أن يعطي وهو من الثقة باللّه والاعتماد على اللّه بحيث أن لا يخطر له الفقر والحاجة ببال ، لعلمه بأن اللّه تعالى أعلم بمصالحه ، فمن كانت هذه حالته قدم ركبتيه على يديه ، ومن كانت حالته الشح فجاهد نفسه وخشي الفقر وبذل المجهود من نفسه في العطاء قدم يديه على ركبتيه ، والساجد أي حال قدم من هاتين الحالتين فإن الأخرى تحصل له في سجوده ، ولا بد فمن اعتمد وتوكل حصل له صفة الجود والايثار وجميع مراتب الكرم والعطاء ، ومن أعطى للّه عن جبن وفزع أثمر له ذلك العطاء بهذه الحالة التوكل والاعتماد على اللّه والذي رجح الشارع تقديم اليدين ، واللّه أعلم .
إشارة تقدم بيان السجود على سبعة أعظم : الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ، فمن سجد عليها فقد تمّ سجوده اتفاقا ، واختلفوا إذا نقص عضوا منها هل تبطل صلاته أم لا ؟
فقال قوم : تبطل ، وقال آخرون : لا ، واتفقوا على أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه ، واختلفوا فيمن سجد على أحدهما فمن قائل : إن سجد على جبهته دون أنفه جاز وبعكسه لا . ومن قائل : بالجواز على انفراد كل منهما ، ومن قائل بعدمه . فاعلم أن السبع الصفات يرجع إليها جميع الأسماء الإلهية فلو نقص منها صفة أو نسبة فقد بطل الجميع ، ولا يصح كون الحق إلاها وهو الذي لا يجيز الصلاة إلّا بالسجود على السبعة الأعضاء فإنها للحضرة الإلهية بمنزلة هذه الأعضاء للساجد ، والذي يقول : إن الوجه لا بدّ منه بالاتفاق كالحياة من هذه الصفات التي هي شرط في وجود ما بقي من الصفات السبعة أو النسب على الخلاف المذكور في محله ، فمن قال : إن السمع والبصر راجعان إلى العلم ، وأن العلم يغني عنهما ، وأنهما مرتبتان في العلم قال بجواز الصلاة إذا نقص عضو من هذه الأعضاء مع سجود الوجه ، ولما كانت الحياة تقتضي العزة لنفسها كانت العزة والحياة مرتبطين كالشئ الواحد كارتباط الجبهة بالأنف في كونهما عظما واحدا ، وإن كانت الصورة مختلفة فمن قال : إن المقصود الوجه وأدنى ما ينطلق عليه اسم الوجه يقع به الاجتزاء أجاز السجود على الأنف دون الجبهة وعلى الجبهة دون الانف ، كالذي يرى أن الذات هي المطلوبة الجامعة ، ومن نظر إلى صورة الأنف وصورة الجبهة ونظر إلى الأولى باسم الوجه فغلب الجبهة ، وأن الأنف وان كان مع الجبهة عظما واحدا لم يجز السجود على الأنف دون الجبهة لأنه ليس بعظم خاص ، بل هو للعضلية أقرب منه إلى العظمية فتميز عن الجبهة ، فكانت الجبهة المعتبرة في السجود كذلك الحياة هي المعتبرة في الصفات والعزة وإن كانت لها ، فإن الصفة الإحاطية وهي العلم تشركها في ذلك فلم ير للعزة أثرا في هذا الأمر ، ومن قال : لا بد أن يكون وجه الحق منيع الحمى عزيزا لا يغالب قال بالسجود على الجبهة والأنف ، ولما كان الأنف في الحس محل النفس الذي هو الحياة الحيوانية كانت نسبته إلى الحياة أقرب النسب ، وبوجود هذه السبعة تمّ نظام العالم ولم يبق في الإمكان حقيقة إمكانية تطلب أمرا زائدا على هذه السبعة ، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم واللّه أعلم .