نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله ، فإنك من التراب خلقت وإليه تعود ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة اللّه وقل : « سبحان ربي الأعلى » وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر ، فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة اللّه ، فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر
شرح
( وإذا وضعت نفسك ) وفي بعض النسخ : بعينيك وأخاله تصحيفا ( موضع الذل ) الذي هو التراب ( فاعلم أنك ) قد ( وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى الأصل ) الذي انتشأ منه ، ( فإنك من التراب خلقت ) قال اللّه تعالى :مِنْها خَلَقْناكُمْ[ طه : 55 ] ( وإليه رددت ) .
وفي نسخة : وإليه تعود قال اللّه تعالى :وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى[ طه : 55 ] وهذا سر تثنية السجود ، ( فعنده تجدد ) وفي نسخة : فعند هذا جدد ( على قلبك عظمة اللّه ) وعلوه وارتفاعه ومجده ( وقل : « سبحان ربي الأعلى » ) لما كان المصلي ينتقل من حالة الركوع إلى حالة السجود وكلتاهما من أحوال الخضوع ، إلّا أن حالة السجود في الخضوع أكثر من حالته ناسب فيه وصف اسم الرب الذي هو من الأمهات الثلاث الكثير الدور والظهور في القرآن بالأعلى ليسبحه بلسان كل مسبح ، وينظر في علو اللّه تعالى عن السجود وتنزيهه له عن كل ما يضاد العلو ، ( وأكده بالتكرار ) ثلاثا أو خمسا أو أزيد ، ( فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر ) أي لا تؤثر في القلب مرة واحدة إلا للمستغرق عن حسه ، وبتكرار ذلك المعنى يحصل التأثير ويقوى الأثر ، ( فإذا رق قلبك ) بقبوله الأثر المذكور ( وظهر ذلك ) بإثبات العلو المطلق لربك ، ( فلتصدق رجاءك في رحمة ربك ) لأنه هو الذي الهمك إلى هذا الخضوع والتنزيه ، ( فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر ) . فإذا كان المصلي بوصف الذل والضعف إما حقيقة وإما بإظهارهما ، كذلك تعمه رحمة ربه وتغمر أنوارها قلبه ، فإذا فرغ من التسبيح وأعمال صدق الرجاء فليقل وهو ساجد : « اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك اللّه أحسن الخالقين . اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا ، واجعل لي نورا واجعلني نورا » ومعنى اجعلني نورا اجعلني هدى يهتدي بي كل من رآني فإنها من أسنى المراتب وهو مقام عين الجمع ، وفيه تتحد الأنوار بوحدانية العين ، واللّه أعلم .
تنبيه : تقدم ذكر الاختلاف فيما يضع المصلي على الأرض إذا هوى إلى السجود ، فذهب قوم إلى وضع اليدين قبل الركبتين ، وآخرون بالعكس . فاعلم أن اليدين محل الاقتدار ، والركبتين محل الاعتماد ، فمن اعتمد على ربه مع الاقتدار الذي يجده من نفسه كالحلم مع القدرة قال بوضع الركبتين قبل اليدين ، ومن رأى أن اليدين محل العطاء والكرم ورأى قوله تعالى :تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ[ المجادلة : 13 ] قدم اليدين قبل الركبتين ، ثم أن المعطي لا يخلو من