تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وملء الأرض » . ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذلّ الأشياء وهو التراب . وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل . وإذا وضعت
شرح
في قوله : « الحمد للّه رب العالمين » . ويحذف حرف النداء وهو : « يا » ليؤذن بالقرب ، وإنما أبقى المنادى لبقاء نفسه في جواب ربه فيقول : لك الحمد أي الثناء التام بما هو لك ومنك ولك عواقب ثناء كل مثن في العالم وكل مثنى عليه في العالم ، وهو قوله : ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد . يقول : كل جزء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما وما يعطيه الإمكان كل جزء منه معلوم بحكم الوجود ، والتقدير له ثناء خاص عليك من حيث عينه وإفراده وجمعه بغيره في قليل الجمع وكثيره أحمدك بلسانه وبلسان كل حامد ، فيكون لهذا الحامد بمثل هذه الألسنة جميع ما يستدعيه من التجليات الإلهية ومن الأجور الحسية ، وقوله : أحق ما قال العبد أي أوجب ما يقوله عبد مثلي لسيد مثلك وكلنا لك عبد يقول أنوب عن إخواني من العبيد في حمدك عنهم لمعرفتي بك وجهلهم بما ينبغي لجلالك : « لا مانع لما أعطيت » من الاستعداد لقبول تجليات مخصوصة وعلوم مخصوصة « ولا معطي لما منعت » وإذا لم تعط استعدادا عاما فما ثم سيد غيرك يعطي أحدا ما لم تعطه أنت « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » أي من كان له حظ في الدنيا من جاه ورئاسة ومال بغيرك في علمه لا في نفس الأمر لم ينفعه ذلك عندك في الآخرة عند كشف الغطاء . تنبيه : قد تقدم الاختلاف بين العلماء في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على اللّه فيه أو وجوبه في مذهب من يراه شرطا في صحة الصلاة ، فمنهم من كره الدعاء في الركوع ، ومنهم من أجازه فمن أجازه يقول : لما كانت الصلاة معناها الدعاء صح أن يكون الدعاء جزءا من أجزائها ويكون من باب تسمية الكل باسم الجزء ، وأما من كرهه يقول : الحالة البرزخية لها وجهان . وجه إلى الحق ووجه إلى الخلق ، فمن كان مشهده من الركوع الوجه الذي يطلب الحق كره الدعاء فيه ولم يحرمه ، لأن صفة القيومية قد يتصف بها الكون ، ومن رجح الوجه الذي يطلب الكون من الركوع قال بجوازه فيه وبه جاءت السنة واللّه أعلم . ( ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة ) . قد ذكرنا سابقا أن العبد ينظر في الركوع في عظمة اللّه تعالى وتنزيهها عن قيام الخضوع بها وعلوه عن السجود ، فإنه في سجوده يطلب أصل نشأة هيكله وهو الماء والتراب ويطلب بقيامه أصل روحه ، فإن اللّه تعالى يقول فيهم :وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ[ آل عمران : 139 ] ( فمكّن أعز أعضائك ) في الظاهر ( وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب ) لكونه مداسا تحت الأرجل ، ( وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا ) أي مانعا ( فتسجد على الأرض ) كما كان يفعله عمر بن عبد العزيز ، ( فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل ) أي من أكبر الأسباب الحالية للخشوع والدالة على الهوان ،