تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
قلبك لتؤكده بالتكرار . ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك : « سمع اللّه لمن حمده » أي أجاب لمن شكره . ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول : « ربنا لك الحمد » . وتكثر الحمد بقولك : « ملء السماوات
شرح
لاسم الرب لأنه يستدعي المربوب ، ثم إن هذا الاسم لما تعلق التسبيح به لم يتعلق به مطلقا من حيث ما يستحقه لنفسه ، وإنما تعلق به مضافا إلى نفس المسبح ، فقال : « سبحان ربي العظيم » . وحالة الركوع برزخ متوسط بين القيام والسجود بمنزلة الوجود المستفاد للممكن برزخ بين الواجب الوجود لنفسه وبين الممكن لنفسه . فالممكن عدم لنفسه فإن العدم لا يستفاد فإنه ما ثم من يفيده والواجب الوجود وجوده لنفسه وظهرت حالة برزخية وهي وجود العبد بمنزلة الركوع فله نسبتان يعرفهما العارف ، فيخطر للعارف في حال الركوع الحال البرزخي الفاصل بين الأمرين وهو المعنى المعقول الذي به يتميز العبد من الرب ، وهو أيضا المعنى المعقول الذي به يتصف العبد بأوصاف الرب واللّه أعلم . ( وتكرر ذلك ) القول ( على قلبك ) بفهم معانيه التي ذكرت من التسبيح والربوبية والعظمة ( لتؤكده بالتكرار ) إما ثلاثا وهو أدنى الكمال كما مرّ أو خمسا حتى يدرك من وراءه ثلاثا ومن زاد زاد اللّه عليه ، ( ثم ترتفع من ركوعك ) بالاعتدال ( راجيا أنه راحم ذلك ) وفي نسخة : لك . أشار بذلك أن الركوع حالة الخضوع والذل ، والرفع منه حالة العز ، فلما أمر بالرفع على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « ثم ارفع حتى تستوي قائما » أراد أن يرحم ذله ، وهذا نظر من أوجب الاعتدال فيه . يقول : إذا اتفق أن يقام العبد في موطن يكون الأولى فيه ظهور عزة الإيمان وجبروته وعظمته بعز المؤمن ، فيظهر فيه من الأنفة ما يناقض الخضوع ، ففي ذلك الموطن لا يكون الخضوع واجبا بل ربما الأولى إظهار صفة ما يقتضيه ذلك الموطن ، ومن قال بسنيته لا ينظر إلى هذا ، وإنما يقول : الخضوع واجب على كل حال إلى اللّه تعالى باطنا وظاهرا خصوصا في الصلاة ، ومن قال بالايجاب نظره دقيق ( ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك : « سمع اللّه لمن حمده » أي أجاب ) اللّه ( من شكره ) . كذا عن ابن الأنباري . وقيل : معناه علم حمد الحامد ، وقيل قبل حمد من حمده ، ومنه قولهم سمع القاضي البينة أي قبلها والقبول أقرب إلى معنى الإجابة ، ( ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد ) أشار بذلك إلى قوله تعالى :لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[ إبراهيم : 7 ] ( فتقول : « ربنا لك الحمد » ) وفي نسخة : ولك الحمد بزيادة الواو ، وقد تقدم الكلام على ذلك . اعلم أن العارف الجامع لأكمل الصلاة إذا رفع رأسه من الركوع يقول سمع اللّه لمن حمده ، ثم يسكت قليلا ، ثم يقول : يرد على نفسه بلسانه ربنا ولك الحمد فإنه في قوله سمع اللّه لمن حمده نائب عن ربه لنفسه ورد في الحديث الصحيح إذا قال الإمام : سمع اللّه لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ، فإن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده ، فلهذا يستحب للمنفرد أن يسكت بينهما قليلا ، والمراد من قوله : « لمن حمده » أي في حال ركوعه وما حمده به في حال قيامه