تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
شرح
وقال المصنف في المقصد الأسنى في شرح اسمه تعالى الوهاب ما نصه : لا يتصوّر من العبد الجود والهبة . فإنه ما لم يكن الفعل أولى به من الترك لم يقدم عليه فيكون إقدامه عليه لغرض نفسه ، ولكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروح لوجه اللّه تعالى فقط لا للوصول إلى نعيم الجنة أو الحذر من عذاب النار ، أو لحظ عاجل أو آجل مما يعد من حظوظ البشرية ، فهو جدير بأن يسمى وهابا وجوادا ، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة ، ودونه الذي يجود لينال حسن الأحدوثة . وكل من لم يطلب عوضا يتناوله سمي جوادا عند من يظن أنه لا عوض إلا الأعيان . فإن قلت : فالذي يجود بكل ما يملك خالصا لوجه اللّه تعالى من غير توقع حظ عاجل أو آجل كيف لا يكون جوادا ولاحظ له فيه أصلا ؟ قلت : حظه هو اللّه تعالى ورضاه ولقاؤه والوصول إليه ، وذلك هو السعادة التي يكسبها الإنسان بأفعاله الاختيارية وهو الحظ الذي يستحقر سائر الحظوظ في مقابلته . فإن قلت : فما معنى قولهم : إن العارف باللّه تعالى هو الذي يعبد اللّه خالصا لا لحظ وراءه ، فإن كان لا يخلو فعل العبد عن حظ فما الفرق بين من يعبد اللّه خالصا وبين من يعبده لحظّ من الحظوظ ؟ فاعلم أن الحظ عبارة عند الجماهير عن الأغراض المشهورة عندهم ، ومن تنزه عنها ولم يبق له مقصد إلا اللّه فيقال انه قد تبرأ من الحظوظ أي عما يعده الناس حظا ، وهو كقولهم : إن العبد يراعي سيده لا لسيده ولكن لحظ يناله بخدمته ، وأما الوالد فإنه يراعي ولده لذاته لا لحظ يناله منه ، بل لو لم يكن منه حظ أصلا لكان معتنيا بمراعاته ، ومن طلب شيئا لغيره لا لذاته فكأنه لم يطلبه ، فإنه ليس هو غاية طلبه بل غاية طلبه غيره ، فمن يعبد اللّه تعالى للجنة فقد جعل اللّه واسطة طلبه ولم يجعله غاية مطلبه ، وعلامة الواسطة أنه لو حصلت الغاية دونها لم تطلب الواسطة ، فلو حصلت الجنة لمن يعبد اللّه تعالى لأجلها دون عبادة اللّه تعالى لما عبد اللّه تعالى فمحبوبه ومطلوبه الجنة إذا لا غير ، وأما من لم يكن له محبوب غير اللّه تعالى ولا مطلوب سواه بل حظه الابتهاج بلقائه والقرب منه والمراقبة للملأ الأعلى من المقربين من حضرته ، فيقال : إنه يعبد اللّه تعالى للّه لا على معنى أنه غير طالب للحظ ، بل على معنى أن اللّه تعالى هو حظه وليس يبتغي وراءه عطاء ، ومن لم يؤمن بلذة البهجة بلقاء اللّه ومعرفته والمشاهدة له والقرب منه لم يشتق إليه ، ومن لم يشتق إليه لم يتصوّر أن يكون ذلك من حظه فلم يتصوّر أن يكون ذلك مقصده أصلا ، فكذلك لا يكون في عبادته إلا كالأجير السوء لا يعمل إلا بأجرة طمعا فيها ، وأكثر الخلق لم يذوقوا هذه اللذة ولم يعرفوها ولا يفهمون لذة النظر إلى وجه اللّه تعالى فإنما إيمانهم بذلك من حيث النطق باللسان فأما بواطنهم فإنها مائلة إلى التلذذ بلقاء الحور العين وغيره في الجنة فقط . فافهم من هذا أن البراءة من الحظوظ محال ان كنت تجوز أن يكون الحظ هو اللّه تعالى أي لقاؤه ومشاهدته والقرب منه مما يسمى حظا ، فإن كان الحظ عبارة عما تعرفه الجماهير وتميل إليه فليس هذا حظا ، وإن كان الحظ عبارة عما حصوله أولى من عدمه في حق العبد فهو حظ واللّه أعلم اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 231 | مرتضى الزبيدي