على القليل والكثير منه . وإذا قلت : « محياي ومماتي للّه » . فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده ، وأنه إن صدر ممن رضاه غضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال . وإذا قلت : « أعوذ باللّه من
شرح
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي عن شداد ابن أوس قال : كنا نعد الرياء على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الشرك الأصغر . وعنه أيضا رفعه « من صلّى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي فقد أشرك » .
وأخرج أحمد ، والحاكم وصححه ، والبيهقي عن أبي سعيد رفعه « الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن محمود بن لبيد رفعه « إياكم وشرك السرائر . قالوا : وما شرك السرائر ؟ قال : أن يقوم أحدكم يزيد في صلاته جاهدا لينظر الناس إليه فذلك شرك السرائر » .
وأخرج الحاكم وصححه من حديث معاذ رفعه « إن يسيرا من الرياء شرك » .
( وإذا قلت : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ) رب العالمين . أما قوله : « إن صلاتي ونسكي » فهو إن كان مرائيا في عمله فهو كاذب ، واللّه أغني الشريكين لا يقبل عنده إلا ما ابتغى وجهه خالصا . فلا يقول بلسانه : إن صلاتي ونسكي للّه وقلبه غافل عن اللّه مشغول بسواه .
وأما قوله « ومحياي ومماتي للّه » ( فاعلم أن هذا حال مفقود لنفسه ) لا يغيب عن ربه طرفة عين بل مداوم على مراقبته ( موجود لسيده ) فإن من في عن نفسه بقي باللّه ، ومن راقب على قلبه بوحدانية اللّه تعالى وطرد ما سواه وجد اللّه واحسانه ، وحينئذ يفوز بعلم اليقين وهو أن يرى حياته وموته به وله ، وأنه لهو المحيي وهو المميت ، ثم يزيد حضورا إلى أن يترقى إلى عين اليقين ، ثم يزيد استغراقا يدرجه إلى حق اليقين ، ثم يفنى عن ذلك به وذلك حقيقة اليقين ، ( و ) ليعلم ( أنه ) أي هذا الكلام ( إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا ) أي لغرض من أغراضها المتعلقة بأمورها ( لم يكن ملائما ) أي مناسبا ( للحال ) الذي هو فيه ، فالفاني عن نفسه والباقي باللّه هو الذي محياه ومماته للّه ، وفي إضافة هذه الأمور إلى نفسه إشارة إلى أنه ما ظهرت هذه الأفعال ، ولا يصح أن تظهر إلا بوجود العبد إذ يستحيل على الحق إضافة هذه الأشياء إليه بغير حكم الإيجاد فتضاف إلى الحق من حيث إيجاد أعيانها ، كما تضاف إلى العبد من كونه محلا لظهور أعيانها فيه فهو المصلي فاعلم ذلك حتى تعرف ما تضيفه إلى نفسك مما لا يصح أن تضيفه إلى ربك عقلا وتضيف إلى ربك ما لا يصح أن تضيفه إلى نفسك شرعا ، والمعنى : إن صلاتي وعبادتي وحالة حياتي ومماتي للّه أي إيجاد ذلك كله للّه لا لي أي ظهور ذلك فيّ من أجل اللّه لا من أجل ما يعود عليّ في ذلك من الخير ، فالعالم من عبد اللّه وغير العالم يعبده لما يرجوه من حظوظ نفسه في تلك العبادة ، فلهذا شرع لنا أن نقول « للّه رب العالمين » واللّه أعلم .