تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الشيطان الرجيم » . فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن اللّه عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع اللّه عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها ، وأن استعاذتك باللّه سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب اللّه عز وجل لا بمجرد قولك ، فإن من قصده سبع أو عدوّ ليفترسه أو ليقتله فقال : أعوذ منك
شرح
كلية والحال يعين القضايا والحكم يكون بحسبها ، ولما كان قارىء القرآن جليس اللّه وزاد كونه في الصلاة كان الأولى هنا أن يستعيذ باللّه من الشيطان ، لأن الصلاة حضرة المناجاة وسرها في قراءة الكلام الحق المأمور بتلاوته ، فلا ينبغي للرجس النجس أن يتقرب إلى هذه الحضرة إذلا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[ الواقعة : 56 ] ، أي : لا يمس حقائقه إلا المطهرون من أدناس الطبيعة ، كما أنه لا يمس ظاهره إلا المحترسون من منهيات الشريعة . فإذا قلت هذه الجملة فالمعنى احترس والتجىء واعتصم باللّه أي بقوة اللّه وعظمته واقتداره وبحصنه المنيع الذي لا تخرقه الرماح من شر الشيطان الرجيم المبعد المطرود عن حضرة اللّه تعالى ، ومن مكائده وأمانيه التي يلقيها في خواطر الداخلين إلى حضرة المناجاة . وإذا علمت أنه مطرود الحضرة ومسلط على ابن آدم ( فاعلم أنه عدوك ) الأكبر وبغيضك الذي ليس لك من مكائده مفر ( و ) أنه ( مترصد ) أي مرتقب بأنواع حيله وخفي مكره وكيده ( لصرف قلبك عن اللّه عز وجل ) بكل حال وكيفما أمكن كل ذلك ( حسدا لك ) وعليك ( على ) وقوفك بين يدي اللّه امتثالا لأمر اللّه و ( مناجاتك مع اللّه ) حسدا ( على سجودك له ) تعالى لما روي أنه تعالى لما أخذ الميثاق من ذرية آدم عليه السلام حيث قال :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ[ الأعراف : 172 ] الآية . أمرهم بالسجود تصديقا لما قالوا فسجد المسلمون كلهم وبقي الكافرون ، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا فسجدوا ثانيا شكرا لما وفقهم اللّه تعالى إليه ، ولذا صار المفروض سجدتين في الصلاة . كذا في معراج الدراية ( مع أنه ) أي إبليس الملقب بالشيطان ( لعن بسبب سجدة واحدة ) لآدم عليه السلام ( تركها ولم يوفق لها ) وفي المبسوط : إنما كان السجود ترغيما للشيطان فإنه أمر بالسجود فلم يفعل ، فنحن نسجد مرتين ترغيما له . وإليه أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلم في سجود السهو ترغيما للشيطان ، وأخبار الشيطان في إبائه للسجود لآدم وطرده عن حظيرة القدس بعد أن كان معلم الملكوت الأعلى وصيرورته ملعونا إلى يوم الدين مفصلة في الكتاب العزيز فلا نطيل بذكرها . ( و ) اعلم أيضا ( أن استعاذتك باللّه منه ) أي طلب تحصينك ونجاتك من شره إنما يكون ( بترك ما يحبه ) مما يخالف رضا اللّه تعالى ( وتبديله بما يحب اللّه ) في كل عمل بدني أو قلبي ( لا بمجرد قولك ) أعوذ باللّه منه ، ( فإن من قصده سبع ) بفتح فضم هو كل ماله ناب يعدو به ويفترس كالذئب والفهد والنمر ، وأما الثعلب فليس بسبع وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به ولا يفترس ، وكذلك الضبع قاله الأزهري . ونقل الصاغاني سكون الباء وقال : هي لغة ، وهكذا قرىء قوله تعالى :وَما أَكَلَ السَّبُعُ[ المائدة : 3 ] وهو مروي عن الحسن البصري ، وأبي حيوة ، وطلحة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 233 | مرتضى الزبيدي